فاجعة 13 تشرين الوطنيّة: من المسؤول؟
ايلي أبو رجيلي
لا يمكن لما وقع في 13 ت1 1990 أن يكون حدثاً يتيماً لا أب له ولا أمّ. أليس هناك من مسؤوليّات تترتّب على ما جرى؟ وهل مصائر البشر ليست إلا حجرة تتقاذفها الأيدي على رقعة الشطرنج؟
إنّي في ما أكتب لا أعبّر إلا عن معاناةٍ شخصيّة عشتها كمواطن عادي، وكمواطن عادي أيضاً وأيضاُ من حقّي أن أسأل عن الحساب.
إنّها ظهيرة يوم 11 ت1 1990 وأنا مدعو إلى الغذاء عند أصدقاء لي، أمّا عائلتي فقد كنت قد أبعدتها عن المنزل إستشعاراً منّي بخطورة الموقف في ذلك الحين. فجأةً، نسمع هدير طائراتٍ حربيّة. أهرع إلى النافذة لأتحقّق من الأمر. وكانت المفاجأة! لقد وقع نظري على طائرة ميغ سوريّة متجهة صعوداً نحو الشرق وعلى ارتفاعٍ منخفضٍ جداً، عابرةً تماماً من فوق المقرّ الصيفي لمطرانيّة بيروت المارونيّة في عين سعاده! وهي لم تكن لوحدها، بل ضمن سربٍ من طائرتين على أقلّ تقدير.
عدت إلى المائدة وقلت لمضيفيّ بالحرف الواحد: "مرور هذه الطائرات السوريّة في سمائنا يعني أمرين لا ثالث لهما: رفع الحظر المفروض على تحليق الطيران السوري في أجوائنا، أو كسره من قبل السوريّين من جهة، وإيذاناً ببدء المعركة الحاسمة لإخراج حكومة الجنرال عون بالقوّة من القصر الرئاسي، من جهة أخرى. وهذا ما علينا أن نتوقّعه في أيّ وقت".
إنّها صبيحة 13 ت1 1990، وأنا موجود على شرفة منزلي المطلة على بيروت. إنّها حوالي الساعة السادسة والنصف على ما أذكر. فجأةً انفتحت أبواب الجحيم. مكنسة رهيبة من نار تأخذ في دربها الأبنية والأحياء ابتداء من غاليري سمعان والمناطق المجاورة لها. مكنسة وحشيّة تتقدّم بسرعة عجيبة. وما هي إلا لحظات حتّى ظهر الطيران الحربي السّوري مجدّداً في الأجواء، آتياً من جهة الشرق، متّبعاً نفس الخطّ الذي كنت قد رأيته فيه ولكن بالاتجاه المعاكس.
أدركت أنّ المحظور قد وقع، فركضت بسرعةٍ متناولاً من على كنبة في الصالون بعض الأغراض الشخصيّة ومندفعاً إلى الطابق الأرضي حيث كنّا نعتاد أن نحتمي من نوبات القصف. بالكاد وصلت سالماً، إذ ما هي إلا لحظات معدودة حتى انهمرت علينا القذائف بشكلٍ عنيفٍ جدّاً وأصيب منزلي بقذيفة تماماً حيث كنت أقف.
لم يمض وقت طويل حتّى أتانا عبر الأثير نداء الجنرال عون داعياً جنوده إلى وضع أنفسهم تحت تصرّف الجنرال إميل لحّود. ومن ثمّ وصلت طلائع المهاجمين إلى بيت مري، ثمّ إلى عين سعاده … وكان ما كان.
خرجنا، الجيران وأنا، من مخبئنا لتصعقنا مشاهد النار والدمار. كثير ممّا حولنا من بيوت وممتلكات أصيب بأضرار كبيرة. أمّا مشهد القوافل العسكريّة السوريّة العابرة أمام أعيننا فكان أشدّ إيلاماً وأثقل وطأةً من كلّ ما شاهدناه من حولنا… كيف لا ولقد انغرز في ذلك اليوم المشؤوم خنجر الاحتلال، ويا ليته كان "مسماراً"، ليس في حائط الوطن بل في قلبه، حيث عمل فيه تقطيعاً.
أمّا بعد، فإنّي أسأل هل كان وقوع بعض المناطق الحرّة، الخارجة عن السيطرة السوريّة، تحت الاحتلال الثاني مبرّراً؟ ولو قيّض في ذلك الوقت لحكومة الجنرال عون أن تبسط سلطتها على كلّ ما كان يسمّى بالمنطقة الشرقيّة، ماذا كان يمنع أن نرى الجنود السوريّين في قلب ساحات جونيه وجبيل… وعلى أبواب الصرح البطريركي في بكركي؟
هل كان الثمن الباهظ الذي دفعناه في سقوط آخر ملاذ للسيادة الوطنيّة وفي المجزرة الرهيبة التي ارتكبت بحقّ مواطنينا وجنودنا قدراً محتوماً لا مهرب منه؟
أليس هناك من مسؤولين عن هذه الكارثة الفظيعة التي ضربت البشر والحجر، الكرامة الشخصيّة كما السيادة الوطنيّة؟
قبل عدّة أشهر من هذه السنة، رأيتُ وسمعتُ نائب رئيس مجلس الوزراء، العقيد عصام أبو جمرة، يقول في مقابلة تلفزيونيّة ما معناه أنّه حصراً للخسائر وتفادياً لإهراق الدماء، فلقد كان القرار قد اتخذ، قبل 13 ت1 بالطبع، بتسليم الإمرة فوراً للواء لحّود في حال تعرّضت مواقع الجيش لقصفٍ جوّي سوريّ. وأضاف أنّه في حال اختراق جبهات عاريّا ودير القلعة وغاليري سمعان بفعل الضربات الجويّة، يصبح القتال أمراً مستحيلاً لأنّه بإمكانهم عندها اصطيادنا كالعصافير.
لقد أحيا هذا الكلام في ذهني صور ذلك اليوم الأسود، وتذكرت ما كنت قد قلته لأصدقائي على أثر مرور الطائرات الحربيّة السوريّة في أجوائنا وذلك قبل حوالي الأربعين ساعة من بدء الهجوم.
وأنا اليوم أسأل من كانوا في مركز المسؤوليّة السياسيّة والأمنيّة في قصر بعبدا في ذلك الحين:" ألم تسمعوا يومها هدير تلك الطائرات كما سمعت؟ ألم تشاهدوها كما شاهدتها؟ ألم يخبركم أحد شيئاً بشأنها؟ وإنّي إذ أستبعد كلّ ذلك أسألكم ألم تستنتجوا وأنتم أصحاب الخبرة العسكريّة من كلّ ما جرى ما كنت قد استنتجته أنا المواطن العادي من كلّ ذلك؟
وطالما قرار تسليم الإمرة للواء إميل لحّود في حال لجوء السوريّين لسلاح الطيران كان قد اتّخذ، فلماذا الانتظار حتّى وقوع الكارئة؟ هل كان من المفروض أو من الواجب الوطني ترك الأمور تتدهور إلى حدّ الانفجار فيدخل علينا الجيش السوري من جديد ونرى ما هو أبشع بكثير من دخوله الأوّل عام 1976: الجنود السوريّون في قصر بعبدا، رمز السيادة، وفي وزارة الدفاع الوطني، رمز الكرامة، يرتكبون الفظاعات بحقّ ضبّاطنا وجنودنا، ويسرقون على مدى ساعات الكثير الكثير من كنوز تاريخيّةٍ وطنيّةٍ محفوظة منذ سنوات في عهدة قيادة الجيش؟
قد أكون مخطأً أو مصيباً في كلّ هذه التساؤلات، لكن من حقّي أن أطرح السؤال وأطالب بتحديد المسؤوليّات وما على أصحاب الشأن سوى الطمأنة أو التصويب أو التفسير أو التعليل.
إنّي كمواطن لبناني أرفض أن أكون نعجةً تُقاد إلى الذبح، أو وعاءً فارغاً تملؤه التصاريح الناريّة، أو بئراً من دون قعر ترمى فيه إفرازات الطموحات الشخصيّة البعيدة عن التبصّر وحسن التقدير.
مشؤومةٌ هي ذكرى 13 ت1، بل هي جرحٌ نازفٌ في ضمير ووجدان من عايشها، لا سيّما وأنّ مصير بعض ضحايا ذلك اليوم الأسود لا يزال مجهولاً حتّى الساعة.
كلمة أخيرة. أنا لست ضدّ أو مع مطلق مسؤول أو قائد سياسي "على العمياني". إنّي أؤيّد من يصيب وأعارض من يخطئ، لا أكثر ولا أقلّ.
في بداية حرب التحرير، كنتُ من أشدّ المؤيّدين لمن أعلنها. لكن شيئاً فشيئاً تبيّن لي أنّ لا أفق منطقيّاً لما يجري، إلى أن جاء اليوم الذي دعا فيه الجنرال عون إلى حلّ المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة. فأدركت عندها أكثر من أي وقت مضى عشوائيّة القرارات المتّخذة، إذ كيف يعقل أن تجري حكومة انتقاليّة هكذا انتخابات وهي لا تسيطر على أكثر من 20% من أراضي الوطن؟ وهكذا أخذت حماستي إلى سياسة، أو لِنقُل لا سياسة هذه الحكومة بالتلاشي، دون أن أدرك كمواطن عادي خلفيّات الدوافع لإعلان حرب التحرير. ولطالما كنت أقول لأصدقائي ومعارفي، حتّى قبل هذه الواقعة :" الجنرال عون يدخل مع الحرب التي أعلنها في حائطٍ سميك. فإمّا أن يخترقه ويخرج منه بطلاً وطنيّاً فينتصر وننتصر معه، وإمّا سيعلق داخل هذا الحائط السميك فيختنق ويخنقنا معه." وكلنا نعرف ما جرى.
أيعقل أن يرى مواطن عادي ما لا يراه قادة ومسؤولون بين أيديهم مصير الناس والوطن؟ أمّ أنّ في الأمر ما هو خلاف الرؤية الضائبة والخروج من الأنا، أي من الذاتيّة الضيّقة، إلى الغيريّة، أي إلى رحاب المصلحة العامة.
لقد أعلن الجنرال عون غداة تسلمه مسؤوليّاته الرسميّة أنّه لم يأت لإقامة حكمٍ عسكريٍّ، بل بهدف تأمين انتقال السلطة وانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة. فهل تصرّف الجنرال عون على هذا الأساس؟ وهل الدخول في المعارك المتتالية يدخل من ضمن هذا السعي؟
في ذكرى 13 ت1، هل لدى من كانوا مسؤولين الجرأة على تقديم الحساب وشرح مكامن الخطأ والصواب في ما قاموا به… كما هم يطلبون من الآخرين ليل نهار القيام بذلك؟
على كلّ مسؤول إن يدرك أنّ أرزاق وحياة البشر ليست متاعاً شخصيّاً له يتصرّف به على هواه، ومصير الوطن ليس مرتعاً لا لمغامراته ولا لمقامراته. وله أقول إنّ "الفساد الوطني" أخطر بكثير من "الفساد المالي".
أجل، لا تستطيع ذكرى 13 ت1 إلا وأن تزلزل في الوجدان ذلك السؤال عن المسؤوليّة عن هذه الكارثة. ويبقى أنّ المسؤوليّة بشكل عام شأنٌ يطال الجميع: الراعي كما الرعيّة، المسؤول كما المواطن العادي… وأولى هذه المسؤوليّات التحلي بالوعي والفكر والمنطق والابتعاد عن الشخصانيّة والغرائزيّة والانفعاليّة. ولنذكر دائماً هذا البيت من الشعر:
"ما أطفأت أممٌ سراج عقولها إلا وعاشت في ظلامٍ دامس"