يوم 13 تشرين المشؤوم ما كان ليقع لولا الخطأ في الحساب والتقدير
عون يعد بـ"التغيير" إذا حصل على الأكثرية في الانتخاب
لمناسبة احتفال "التيار الوطني الحر" بذكرى شهداء 13 تشرين يوم السبت الفائت تساءلت اوساط سياسية وشعبية: الم يكن في الامكان تجنيب البلاد مواجهة ذاك اليوم المشؤوم الذي سقط فيه شهداء لخطأ في الحساب والتقدير؟ اولم يكن في الامكان ايضاً تجنب ما سمي "حرب التحرير" و"حرب الالغاء"! وقد تبين انها كانت حروباً عبثية والدماء التي سالت فيها ذهبت سدى لا بل ادت الى اقرار اتفاق الطائف الذي قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية ووضع لبنان تحت الوصاية السورية مدة 16 عاماً؟
ان هذه المناسبة تعيدني بالذاكرة الى يوم زرت فيه العماد ميشال عون في الطابق السفلي من قصر بعبدا اتقاء للقذائف التي كانت تتساقط، وهي زيارة من الزيارات العديدة التي كنت اقوم بها لرئيس نصف حكومة عسكرية بعدما استقال منها الضباط المسلمون، وذلك بحكم مهنتي من جهة، وبحكم عاطفتي السياسية من جهة اخرى، لانني كنت مع السلطة الشرعية على ضعفها، ولم اكن مع سلطة الميليشيات على قوتها وبطشها… وقد رغبت في ان ابلغ العماد عون ما لدي من معلومات حول احتمال قيام قوة عسكرية سورية بمهاجمة القصر واطاحته من الحكم محدداً له الوقت والتاريخ، فأجابني ان لديه هذه المعلومات. عندها سألته: ماذا ستفعل لمواجهة الهجوم العسكري السوري؟ قال لي: سأرد على هذا الهجوم بالقصف المدفعي الشديد فأستطيع بذلك ايقاف الزحف على القصر مدة شهر قد تكون كافية لجعل الرأي العام الدولي يتحرك. قلت له: واذا استخدمت القيادة السورية الطيران لحسم المعركة بسرعة، فأجاب: لا اعتقد ذلك لان اسرائيل لا تسمح بتحليق الطيران الحربي السوري في الاجواء اللبنانية، قلت له: ينبغي ان تضع ذلك في الحسبان، خصوصاً اذا ما عقدت اميركا صفقة مع سوريا بسبب حرب الخليج وكان رأسك هو الثمن وجعلت اسرائيل توافق على دخول الطيران السوري في معركة اطاحتك، عندما سمع هذا قال: اكون عندئذ قد خسرت… عندها مرّ في ذهني خطأ الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي لم يحسب حساباً لاحتمال فشل محاولة انقلابه على حكم الرئيس فؤاد شهاب، والا لكان قادته نجوا من عقوبة السجن لو انهم اشترطوا لإطلاق كبار الضباط الذين اختطفوهم، إرسال طائرة لهم تقلهم الى خارج لبنان، وقلت في نفسي ان في استطاعة العماد ميشال عون اذا تأكد من احتمال عقد صفقة تتم على حسابه، ان يوجه الى اللبنانيين بياناً يكشف لهم فيه هذه الصفقة، وانه حقناً للدماء قرر الاستقالة ومغادرة البلاد اذا لزم الامر، في انتظار ظروف سياسية افضل، لا ان يقبل عرض اشتراكه في الحكومة كوزير للدفاع.
يروي الرئيس الحص في كتابه "عهد القرار والهوى" فيقول: "زارني قبل ايام من تاريخ الثالث عشر من تشرين الاول صديق من المنطقة الشرقية موفداً من العماد ميشال عون حاملاً منه رسالة شفهية تنبئ بأنه وجد الصيغة المناسبة لاعلان انضمامه الى مسيرة الوفاق الوطني وانه سيعلن قراره هذا لدواع ثلاثة عدّدها في الرسالة، ومنها: ان اتفاق الطائف ينص صراحة على حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية، وان العماد عون جعل محاربة الميليشيات قضيته، اشارة الى حربه الضروس مع "القوات اللبنانية" فمن الطبيعي ان ينضم الى الحكومة ليساهم في العمل على حل الميليشيات وجمع الاسلحة منها.
واضاف موفد العماد عون: "ان القائد السابق للجيش يصر على ان يعلن موقفه هذا بعد توقيع الرئيس الهراوي قانون الاصلاحات الدستورية وليس قبله وذلك كي لا يكون له ضلع في التصديق على اتفاق الطائف الذي دأب على معارضته وعلى الاعراب عن رفضه، فيأتي دخوله الحكومة بعد التوقيع وقد اضحى الاتفاق امراً واقعاً، عندها سألت (اي الحص) موفد العماد عون عما اذا كان يرضى بدخوله الحكومة مع الدكتور سمير جعجع، ام انه يصر على الدخول منفرداً، فلم يكن جواب الموفد واضحاً، عندها طلبت منه ابلاغ العماد عون ان توسيع الحكومة يجب ان يشمل جميع قادة القوى التي تلتزم اتفاق الطائف. وانتظرنا اياماً، ولم يبدر عن العماد عون تحرك او مبادرة ولم نتبلغ منه جديداً فيما الوضع العام استمر في التفاقم، فقام الرئيس الهراوي بزيارة دمشق وعاد الحديث جدياً عن ضرورة انهاء حالة الانقسام بالقوة، واتخذ مجلس الوزراء قراراً بطلب الدعم من سوريا لانجاز ذلك، لان العماد عون لم يترك لي او للحكومة خياراً آخر، فيما لم يعد الوضع العام في البلاد يحتمل مزيداً من التمهل ناهيك بأن عدم حسم الامر كان سيؤخذ على محمل التردد او الضعف او الانقسام في الموقف داخل الحكومة فيما كان يمكن ان يكون دافعاً للعماد عون الى المزيد من التعنت، فجاريت الاجماع ولم اعترض وكان القرار ثقيلاً جداً على نفسي".
ويتابع الرئيس الحص: "لقد اتصل بي على اثر ذلك هاتفياً سفير فرنسا رينيه ألان، وسألني عما اذا كان قرار اقتحام القصر الجمهوري نهائي ولا عودة عنه، فأجبته: ستبقى هناك دوماً فرصة للحل السياسي حتى اللحظة الاخيرة، فسألني عما يستطيع عمله في هذا السبيل، فقلت: ليعلن العماد عون لضباط الجيش والعناصر التابعين له ان قائدهم هو العماد اميل لحود وان عليهم الامتثال لاوامره فوراً، لكن النهار انقضى، ويا للاسف الشديد، من غير ان اتبلغ من العماد عون او من السفير الفرنسي اي موقف. وفي صباح اليوم التالي (13 تشرين) شنت العملية العسكرية، وبعد نصف ساعة فقط من بدايتها تلقى الرئيس الهراوي مكالمة هاتفية من السفير الفرنسي يبلغه فيها ان العماد عون يطلب وقف اطلاق النار ويريد الانتقال الى السفارة الفرنسية، فكان ذلك، وطويت صفحة حمراء مضرجة بالدم من سفر المحنة اللبنانية المشؤوم. وهكذا فوّت العماد عون آخر فرصة للحل السلمي ولحقن الدماء".
ويقول المحامي كريم بقرادوني في مقال له بتاريخ 12/10/ 1991 تحت عنوان: "سنة على انهيار وهم البطل ميشال عون": زرت عون في 23 ايار 1990 في مرحلة وصل فيها الوضع مع سوريا الى الطريق المسدود ومع "القوات" الى نقطة اللارجوع. حاولت ان اجد اطاراً لحل شامل يبدأ بصيغة تفاهم بين عون وجعجع وينتهي بصيغة تعاون مع الشرعية، لأن افضل شيء للبنان ان يتفق الاثنان مع الشرعية فتعيد الجيش الى الدولة والشعب الى الشرعية والوحدة الى المسيحيين. اجابني عون بمرارة مأسوية: انا احترم ذكاءك ولا اريد ان تعمل حسابات خاطئة. انا صاحب حلم كبير للبنان والمسيحيين حطمه سمير جعجع. هذا الحلم المحطم يحملني على اختصار عذاب اللبنانيين والمسيحيين، إما ان احققه وإما ان اصل الى نهاية سريعة، وان مأسوية. وعندما يهوي الحلم، ولا يعود له متكأ، لن اترك شيئاً، وسأهدم الهيكل بيدي (…) واذا وصلت الامور الى نقطة اللاعودة ودقت ساعة الصفر، لن اتراجع امام سمير جعجع بل انهزم امام حافظ الاسد" (…).
ويضيف بقرادوني في مقاله: "خرجت كئيباً ومضطرباً، ينتابني شعور ان القائد على طريق الرحيل وان الحلم على طريق الانهيار. سيهجر الشعب القصر وستهاجر منه الاحلام ويصير مهجوراً ولن تبقى فيه الا الاشباح ومرارة المهزومين والمقهورين. تقفر الساحات، يهدأ الصراخ ويختنق الصدى وتطفأ الاضواء الواحد تلو الآخر وتسود الظلمة المرعبة. صار القائد وحيداً وهو يواجه مصيره والقدر بعد ان دعا قبل منتصف الليل المعتصمين في بيت الشعب الى مغادرته. تغمض عيناه عند الفجر على بصيص نور يأتيه من الاتصالات الجارية مع سوريا عن طريق ايلي حبيقة، يريد ان يصدق المستحيل فينام. يستفيق بعد ساعتين على هدير ست طائرات سورية تقصف القصر. يقول لمرافقه: "صدر القرار فلنمش" يتكلم مع السفير الفرنسي ويخرج بعد ساعة ونيّف على متن دبابة! انه ما احتاج دبابة لدخول القصر لكنه احتاجها للخروج منه"!
ويتابع بقرادوني: "في هذا الوقت يصل العميد علي ديب على رأس الوحدات السورية الى القصر الرئاسي فيجد زوجة العماد عون وبناته الثلاث ويصطحبهن معه، ويتولى ايلي حبيقة، الذي وصل بدوره، نقل العائلة الى السفارة وفي القلوب غصة صامتة وفي العيون دمعة عالقة. ويختم بقرادوني بالقول: "عند الاغريق تنتهي القصة بموت البطل، وفي لبنان تنتهي احياناً القصة ولا يموت البطل، الواقع ان عون سقط لكن ظاهرته بقيت من خلال الزمامير في النفق والشعارات على الحيطان والامل في القلوب".
وفي كلمة العماد عون في ذكرى شهداء 13 تشرين عاد يذكّر بالماضي وينتقد الحاضر ويعد المستقبل "بالتغيير والاصلاح" اذا انتخب المسيحيون مرشحيه لتكون له الاكثرية في مجلس النواب المقبل، لان لا قدرة على "التغيير والاصلاح" بدون الحصول على هذه الاكثرية… بعدما كان وعد بذلك في انتخابات 2005 لو تحقق حلمه بانتخابه رئيساً للجمهورية… ولم يعتذر في كلمته للناس كما اعتذر جعجع، بل طلب الاعتذار منه…