وكان الله يحب المحسنين
الذين ينتقدون زيارة الجنرال ميشال عون لطهران لا يحصون، والذين يرون فيها خروجا عن المبادئ التي لطالما بنى فوقها عون مسيرته السياسية، كثر ايضا. وهاتان الفئتان مخطئتان. اما نحن فلا نرى عيبا في ان يتواصل احدهم مع مرجعيته الاقليمية، لا بل نرى ان الزيارة وان سبقتها حملة شتائم متوقعة في حق السعودية، تأخرت كثيرا مثلها مثل الزيارة الرسمية لسوريا الحليفة حتى العظم. فالزيارة "الاقتصادية" لطهران هي الترجمة الرسمية لتحالف قام منذ سنوات بين عون ودمشق وطهران مباشرة او عبر الحلفاء في لبنان. والتحالف المذكور لم يعد منذ زمن بعيد في حاجة الى ادلة ثبوتية على وجوده ونموه، وشموله كل الميادين التي تهم المتعاطي بالسياسة في لبنان. لذلك وجب التعامل مع زيارة عون لطهران على انها طبيعية تماما والعكس يكون غير طبيعي.
اذا عون في طهران ثم عون في دمشق، هو عون الحقيقي.عون الذي وقّع وثيقة تفاهم مع "حزب الله" في شباط 2006، واضعا اياها تحت عنوان تغيير "حزب الله" و"لبننته"عبر فتح باب للتفاهم "لا للتحالف" ! بالطبع، لا حزب الله "تلبنن"، ولا سلاحه صار مصدرا للوحدة او للاطمئنان على مستوى اللبنانيين. ولا حتى ابتعد شبح الحرب الاهلية الذي لاح ويلوح عند كل زاوية من زوايا بيروت، والبقاع، والشمال وغيرها من المناطق التي تعيش تحت رحمة سلاح جرى تصويبه نحو الداخل. حتى الجبل الذي يندفع في المصالحات يعرف اهله ان لا شيء مضمونا لا اليوم ولا في المستقبل.
عون الحقيقي في طهران. وعون الحقيقي غدا في دمشق، فننتهي من مسرحية كبيرة بدأت قبل العودة الى لبنان، واستمرت سنوات حتى يومنا هذا. ولعل تغطية رئيس "التيار الوطني الحر" بداية، من موقعه الملتبس، جميع الاغتيالات بالغبار السياسي ضد الاستقلاليين، ثم ضد الحكومة الشرعية، ثم مشاركته في احتلال وسط بيروت اقله من الناحية المعنوية، فاندفاعه لتغطية غزوات "حزب الله" في المناطق وتبريرها، واخيرا تحريضه ضد منطقة الشمال وطرابلس في وقت تتجمّع "سحب" النظام السوري على الحدود – لعل هذا كله اماط اللثام عن حقيقة العلاقة التي توثقت على جميع المستويات السياسية، الامنية، والاقتصادية، بحيث صار على قوى 14 آذار ان تنزع عنها نهائيا هذه العقدة من عون باريس، لان الاخير انتهى في باريس. اما الآخر الموجود بيننا اليوم فهو الذي تسمعونه وتشاهدونه وتواجهونه، وعلى هذا الاساس وجب التعامل معه، والتوقف عن رميه بتهم التحالف مع السوري او مع الايراني: انه متحالف معهما، جزء اساسي من تركيبتهما السياسية في لبنان. ولم يعد في مستطاعه ان يعود الى الخلف، ولن يعود، وليس مهماً ان يعود اطلاقاً.
لقد ظن كثيرون من المسيحيين العاديين الذين منحوا الجنرال عون في 2005 غالبية شعبية في الانتخابات، انه تعرض لخيانة. كما اقتنع آخرون انه كان يواجه الحلف الرباعي بما يعني تبعية مسيحية لغالبية اسلامية. ورأوا في خياراته آنذاك تمرداً على ضعف مسيحيي 14 آذار حيال حلفائهم المسلمين. واقترعوا ضد ما ظنّوا انه مشروع طغيان اسلامي على المسيحيين. إلا أنّ هذا لم يمنع عون من اخذ تلك الاصوات الى خيار آخر مختلف، الى خيار التحالف مع السوريين والايرانيين، وخيار الدويلة فوق الدولة. وعلى هذا الاساس يجب أن يتوجه الناخبون المسيحيون الى صناديق الاقتراع ليقولوا كلمتهم في أيار المقبل، من دون عقد، ولا ارتباك في الصورة. فالخيار خيارهم هم أولاً وأخيراً.
لهذه الاسباب والكثير غيرها، نرحب بزيارة الجنرال ميشال عون (وان متأخرة) الى حلفائه اليوم في طهران… وغدا في دمشق. وكان الله يحب المحسنين!