مميزة جداً!
أنهى الرئيس ميشال سليمان زيارة تاريخية مهمة الى المملكة العربية السعودية أعادت في وقائعها ومضامينها ومعناها التأكيد انه، اذا كانت هناك فعلاً علاقات مميزة بين لبنان والدول العربية الشقيقة فإن علاقته بالمملكة تأتي في مقدم هذه العلاقات. وانه اذا من علاقات ثنائية يجب ان تحتذى بين الاشقاء العرب، فإنها العلاقة الاخوية المتجردة بين بيروت والرياض.
اهمية هذه الزيارة انها اعادت تصحيح بعض الايحاءات او الاستنتاجات التي حاول البعض في لبنان، وبدفع خارجي، ان يضخها ويروّجها، على خلفية القول ان السعودية صارت فريقاً في النزاعات الداخلية اللبنانية، وان دورها آخذ في الانحسار والتراجع.
منطلق هذه المزاعم لا يتصل بأداء السعودية في لبنان او بسياستها الثابتة منذ استقلال لبنان وانما يتصل بحسابات عربية واقليمية، تريد ان تطبق قبضتها على لبنان وان تستأثر به، في محاولة واضحة لاجهاض الحركة الاستقلالية المتقدمة فيه، تارة بحجة محاربة اميركا في لبنان وليس فيه من يرفع اعلامها، ودائماً بهدف السعي الى اعادة الامور الى ما كانت عليه في الاعوام الماضية!
❒ ❒ ❒
لقد تحملت السعودية كثيراً من التجنيات والاتهامات ومحاولات تشويه صورتها ووصفها بأنها فريق منحاز في لبنان. ولانها حرصت دائماً على تطبيق ديبلوماسية الصمت والصبر، فقد مضى مخطط عزلها عن لبنان وفي لبنان بعيداً.
ولانها بنت سياستها في لبنان والدول العربية على قاعدة التضامن والوئام وخلق روح التعاون والتفاهم بين الاشقاء وابناء البلد الواحد، وهو مثلاً ما دأب عليه السفير د. عبد العزيز خوجه بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين، فقد آثرت عدم الانجرار الى المقارعات والمهاترات، من منطلق اقتناعها الراسخ بأن التاريخ الناصع في علاقات البلدين لا يمكن حذفه او إلغاؤه او تزويره او الانحراف به عن خطه السليم.
وهكذا كانت القمة اللبنانية – السعودية محطة مهمة اسقطت كل الغوغاء والفرضيات المفبركة ضد المملكة. واذا كان الملك عبدالله قد وصف لبنان في خلال القمة العربية في الرياض بـ"انه منا في موقع العين والقلب"، فإنه حرص في خلال استقباله الرئيس سليمان على التذكير بأن المملكة تقف مع لبنان منذ ما قبل استقلاله بالثبات والقوة عينهما من دون اي تمييز بين اللبنانيين مسيحيين ومسلمين ومن كل الطوائف. وبالمناسبة فإن السعودية كانت اول دولة عربية اعترفت باستقلال لبنان، وقد حمت هذا الاستقلال وحرصت دائماً على دعمه بمبادرات شخصية من المسؤولين فيها، ولا داعي الآن الى التذكير خصوصاً بمبادرات الملك عبدالله، لان البعد السياسي والمعنوي في الزيارة يتقدم على الدعم المادي الكبير الذي لا حاجة الى الحديث عنه.
❒ ❒ ❒
لقد تناولت المحادثات العلاقات المميزة بين البلدين الشقيقين، وموقف الرياض من مؤتمر الطائف واتفاقه الذي صار دستوراً. كما تناولت دعم الجيش اللبناني في مواجهة الارهاب وهو ما يسقط على الاقل المزاعم التي روّج لها البعض في بيروت عن اتهام المملكة باشياء لا صحة لها.
واضافة الى الحرص السعودي التاريخي على سياسة التضامن والتكاتف بين الاخوة والاشقاء في لبنان وغيره من الدول العربية، فإن الزيارة بلورت مرة جديدة المنطلق الجوهري لنظرة السعودية الى لبنان كوطن مميز للتعايش الحضاري بين الطوائف، وفي ظل المحاولات الصهيونية لتشويه صورة المسلمين والعرب في المجتمعات الغربية فإن القيادة السعودية وخصوصاً الملك عبدالله الذي سبق ان دعا الى المؤتمر الدولي لحوار الاديان، تحرص على ان يكون لبنان قلادة العقد العربي كوطن يحمل رسالة حضارة تماماً كما قال البابا يوحنا بولس الثاني وكما اشار الرئيس الايراني محمد خاتمي لدى زيارته بيروت.
❒ ❒ ❒
في اي حال لقد كان لافتاً جداً ومهماً جداً ان يقف الرئيس اللبناني سليمان ليقول في عشاء رجال الاعمال اللبنانيين ان "كل لبناني يتعرض لأشقائه في الاعلام او في غيره وبصورة خاصة المملكة العربية السعودية يكون يبتعد عن عروبته".
اياً يكن المقصود فقد فهم الجميع هذا الكلام كأنه رد مباشر على كلام الجنرال ميشال عون يوم السبت الماضي الذي اتهم لبنان بـ"التبعية للسعودية والولايات المتحدة"، بعدما بدا لكثيرين اولاً انه تعمد ان يذهب الى طهران يوم سفر سليمان الى الرياض، وان يشن هجوماً غير مبرر على الاطلاق على المملكة رغم وجود ممثله نائب رئيس الحكومة في الوفد المرافق لسليمان.
ولا نظن ان هناك ما يمنع ذهابه الى طهران متى يشاء هو وغيره، وان ايران او حتى سوريا طلبت منه شن هذا الهجوم المستهجن الذي بدا هجوماً ضد الرئيس اللبناني وضد اتفاق الطائف الذي صوره وكأنه مؤامرة "اميركية – سعودية – سورية" ضد لبنان!
واذا كان الغيظ قد دفعه الى مهاجمة اميركا لان ديفيد هيل وماري بت لونغ لم يزوراه خلال جولتهما الاخيرة في لبنان، فهو حر التصرف طبعاً. لكن ان يقول انه ذاهب الى طهران من موقعه المسيحي وباسم مسيحيي الشرق، فذلك امر يثير العجب والتساؤلات، اولاً لانه ليست هناك مشكلة بين ايران والمسيحيين، وثانياً لان نصف المسيحيين اللبنانيين وفق الانتخابات الفرعية الاخيرة ليست معه ولا هو ينطق باسمها، وثالثاً لان ليس هناك واحد من البطاركة الاجلاّء او المطارنة الاكرام او القساوسة المحترمين كلفه هذا الامر.
ثم ان المسيحيين اللبنانيين المنتشرين في كل الدول العربية السنية لم يعطوه وكالة للحديث عنهم في طهران، وسط رياح الفتنة السنية – الشيعية التي تنفخ اميركا والصهيونية فيها انطلاقاً من العراق، حيث لا يلقى المسيحيون بالمناسبة الا التنكيل في بعض المناطق!
اما ان يقول ان ايران هي القوة الوحيدة الواقفة على قدميها، وان المعطيات ستتغير في المنطقة، فماذا يريد فعلاً الجنرال ان يبشّرنا او يبشّر المسيحيين الذين يقول انه سيتحدث باسمهم؟!
واذا كان عون لم ينس في حديث السبت وعلى عادته طبعاً، اثارة موضوع المال والتركيز عليه، فقد كان في غنى طبعاً عن ان يقول في المطار انه لا يمانع في الحصول على السلاح والاموال من طهران بحجة موازنة ما يحصل عليه الآخرون. الا اذا كان يقول هذا من منطلق تصديقه حتى هذه اللحظة قصة المال الطاهر والنظيف، او افتراضه ان الذكاء المسيحي في لبنان يمكن ان يصدق بعد مثل هذه الشعارات.
في اي حال يقول المثل عادة: "رب ضارة نافعة". والضرر الذي اراد عون إلحاقه بالرئيس سليمان وبالسعودية كان نافعاً جداً، ان من حيث الاضاءة اكثر على اهمية الزيارة واعادتها تصويب الوقائع التي حاولوا التلاعب بها، او من حيث كلام رئيس الجمهورية الصريح على التعرض للسعودية والابتعاد عن العروبة.