حتى تتحصن المصالحات وتنعكس على القواعد الشعبية…
تطالعنا منذ أيام قيادات في »حزب الله« تدعو الى تحصين المصالحات وتكثيف المصارحات وقيامها على أسس واضحة مخافة ألا تحقق النتائج التي قامت من أجلها، ويلاقيها في الساحة نفسها من يدعو الى ضرورة انعكاس تلك المصالحات على القواعد الشعبية مما يعني ان ما جرى اقتصر على القيادات والكوادر وينتظر شيء ما ليترجم واقعاً على الأرض.. فالكل يريد ان يصل الى نتائج واقعية للمصارحات والمصالحات من غير ان يطرح أحد من هذا الفريق آلية في الشكل والمضمون تجعلها قادرة على إرساء وضع سياسي طبيعي تحكمه آليات ديموقراطية صراعية فكرية تعيد إنتاج حياة سياسية كان يعيشها البلد منذ سنوات على الرغم من بعض الشوائب التي كانت تعتريها…
أوساط سياسية مطلعة تساءلت عما يمكن أن يكون »حزب الله« قدمه لإنجاح المصالحات التي عقدها مع هذا الفريق أو ذاك، من غير ان يتنازل مثلاً عن أفكاره أو تحالفاته أو مشروعه السياسي على حد تعبير أحد قادة هذا الحزب.. وقالت إذا كان هذا الحزب سيتمسك بهذه القضايا ولا يتنازل عن أي منها لا في الشكل ولا في المضمون فكيف سيحصن المصالحات وينتج منها إيجابيات.
فبالتأكيد لن يتراجع الحزب عن قناعاته الفكرية وإيمانه بسلسلة من الأفكار الدينية أو السياسية وحتى عن مشروعه السياسي وأيضاً عن تحالفاته، لكن عليه التراجع عن بعض آليات التنفيذ والممارسة بعدما يقدم قراءته ولمرة أخيرة لما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية تحت مفاعيل نقد ذاتي يجب ان يكون قد لجأ إليه في معرض تقييمه لممارسات أدت الى انتهاكات أملت وجوب قيام مصالحات تضع حداً وتقدم ايضاحات بصيغة اعتذارات أو ممارسات تمتص انتكاسات وقعت.
فعلى الرغم مما جرى في بيروت من مصالحة هي عبارة عن لقاء بين رئيس »تيار المستقبل« سعد الحريري وكتلة »الوفاء للمقاومة« فإن ثمة من لا يزال ينظر الى ما جرى في بيروت في السابع من أيار على انه غزوة نفذها »حزب الله« ضد أهالي بيروت الآمنين.. فاللقاء كان يجب ان يتبع بتقديم قراءة لما جرى باعتباره كان مؤذياً بالحد الأدنى وتوسل آليات غير ديموقراطية وترك دماً ودمعاً لم يخرج أحد من مسببيه ليلتقطه أو يكفكفه، فكيف والحالة هذه يمكن ان تلبي اماني »حزب الله« بتحصين تلك المصالحات وانعكاساتها على القواعد الشعبية؟.
وتعتبر الأوساط ان القضية كلها عند »حزب الله« فيما عند الآخرين ردات فعل على فعل استخدم فيه الحزب سلاحه المقاوم في الداخل كمحاولة لتطويع فريق من اللبنانيين بهدف فرض واقع سياسي معين تترتب عليه نتائج سياسية محددة.. فصحيح ان المحاولة لم تنجح في المحصلة لكن الوسائل المتبقية تركت ذيولاً تجلت بشكل أحقاد وفتن جعلت من العاصمة مرتعاً لميليشيات تفرض هيمنة عن طريق »سلاح مقاوم«، فهي وإن لم تنجح في ذلك ايضاً إلا ان جبلاً من الأحقاد نما وينتظر من يعيد تسويته بالأرض.
وترى الأوساط ان التزام »حزب الله« باتفاق الدوحة لجهة »الامتناع عن أو العودة الى استخدام السلاح أو العنف، بهدف تحقيق مكاسب سياسية»، مهم جداً للمستقبل لكنه بالتأكيد لا يقفل صفحة الماضي القريب التي لا تزال تتطلب ممارسات في الاعلام والاعلان وعلى الارض تبدأ بتصحيح قراءة ما جرى والاعتراف لا الاعتذار، بالاخطاء التي رافقت التخطيط والتنفيذ وقبلهما الرؤية السياسية التي أملت الأقدام على غزوة بيروت، وعندها بالتأكيد ستلاقي قيادات العاصمة الوطنية هذا الاعتراف بأحسن منه والانطلاق نحو إعادة اللحمة وقيام المشتركات بين أهالي بيروت وهي أكثر بكثير من التناقضات المطلوب استمرارها لمصلحة التنوع الذي هو سمة من السمات اللبنانية وعلى قاعدة ديموقراطية حل الخلافات.
وتخلص الأوساط الى اعتبار ما أنجز من المصارحات والمصالحات توقف عند جانبها الشكلي، فعلى »حزب الله« أولاً وبعض الجهات المعارضة في حركة الثامن من آذار إعادة النظر وتقديم رؤية جديدة وقراءة نقدية لما جرى من استخدام للسلاح داخل بيروت وبعض الجبل وفي سائر المناطق تؤسس لاعتماد جوهر اتفاق الدوحة في المستقبل، على أن يقبل الفريق الذي تعرض لغزوات تلك القراءة النقدية وينتقل المعنيون على الأرض وفي الاعلام لإقناع الناس بما جرى من إعادة إنتاج وقراءة لممارسات كانت كلها خاطئة.. عندها فقط تبدأ خطوات تحصين المصالحات وإرسائها على أسس ومبادئ تنعكس على القواعد الشعبية ويصل الجميع الى نتاج واقعية لا تعني الا الركون الى كل ما من شأنه ان يكون ديموقراطياً، ولا سيما الانتخابات النيابية التي يجب ان يتبارى المعنيون بها على قاعدة برامجهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية، وعلى الناس إقامة الربط بين البرامج المقترحة وممارسات هذا الفريق أو ذاك خلال تاريخ عمله السياسي.. قد تكون الفكرة مثالية لكنها تحمل قسطاً كبيراً من الواقعية التي تطالب بها المعارضة والموالاة.