الجنرال عون وترتيباته اللّبنانية والإقليمية
يملك الجنرال عون أن يقول ما يشاء. لكنه لا يملك إرغام الآخرين على موافقته على آرائه وأفعاله، كما لا يملك منعَ الآخرين من الردّ عليه أو مخالفته في ما ذهب إليه من تصوّراتٍ وترتيبات، وعن التاريخ والحاضر.
وقد دأَب في الشهور والأسابيع الأخيرة على أمرين اثنين يتعلقان بجهةٍ سياسيةٍ واحدة، الأمر الأول والأخطر آنياً: الذهاب الى أن شمال لبنان (وطرابلس على وجه الخصوص) يغصُّ بالمتطرفين والإرهابيين، وهؤلاء المتطرفون والإرهابيون هم دائماً من طرفٍ واحدٍ، يدعمهُ «تيار المستقبل». وقد قرر ذلك بنفسه ودونما انتظارٍ لمعلومات الأجهزة الأمنية أو تقاريرها سواء في الأحداث بين حي بعل محسن وحي باب التبانة، أو في التفجيرين اللذين جريا على الحافلات التي تُقِل العسكريين اللبنانيين. وعندما أُوصلت إليه معلوماتٌ عن بعض تلك الحوادث، تُخالفُ ما ذهب إليه، أصرّ على «معلوماته»، وبدأ بالهجوم على بعض قادة الأجهزة الأمنية، وليس بحجة الإهمال، بل بحجة الانحياز أو حتى المشاركة في تلك الأحداث! والمصادفةُ السارّة (أو أنها ليست مُصادفة؟) أن أقواله هذه تُشابه بل تطابقُ بعض أقوال الرئيس السوري ووسائل الاعلام السورية. وهكذا فهو يُصرُّ على استعداء فئةٍ واسعةٍ من اللبنانيين وبحسب المزاج السياسي أو غير السياسي، ويدفعُ باتجاهين: اتجاه المُوافقة أو التشجيع على استمرار التدخل السوري في لبنان وتبريره. واتجاه دفع الغاضبين من مسلمي الشمال بسبب تجنياته للاصطدام بالمسيحيين من أنصاره، وهو أمرٌ لم يحدث هناك حتى إبّان النزاع الداخلي والحرب الأهلية! وتتفرعُ عن ذلك أوهام أو أحلام أو تصورات عدة لدى الجنرال مؤدّاها تخويف المسيحيين اللبنانيين من التطرف الإسلامي، بحيث يستفيد من وراء ذلك حشداً للمسيحيين من ورائه في الانتخابات المقبلة! لكنه – ولشدّة غرامه بهذا التصور – لا يسألُ نفسهُ كيف يُصدِّقُ المسيحيون أو سيصدّقون حرصَهُ هذا على أمنهم، وهو الذي ما أظهر أسى على المسيحيين أو الجيش وأفراده حتّى عندما كانت الجهةُ التي قتلت الضابط سامر حنّا واضحةً واعترفت بذلك وسلّمت المشتبه بهم الى التحقيق؟! يومَها تراوحت ردود فعل الجنرال بين أمرين: القول أولاً إنه لا ينبغي التسرع في الاتهام، والقول أخيراً وبعدما عُرفت الجهة الجانية إن الضابط القتيل وقيادته هما المسؤولان، وليس القاتل الفعلي! وهذه «الموضوعية» المشهودة تجاه الجيش والدولة معروفةٌ عن الجنرال منذ سنوات، لكن أبرز أمثلتها الفاقعة ما حدث على مشارف جلسة الحوار الوطني اليتيمة في القصر الجمهوري أخيراً. فقد قال الجنرال عون يومها إن المسألة مسألة مبدأ، فإما أن نكون مع المقاومة أو نكون ضدَّها. وإذا كنا معها فلا داعي للحوار، لأن المسألة تُصبح عندها فنية أو تقنية وبين الجيش والمقاومة، ولا شأن للآخرين بها. لكن، لأن أحداً لم يستجب لهذه الخاطرة النيّرة من جانبه، فقد هدَّد بمقاطعة الحوار الوطني، ويبدو أن أحداً عاتبه على ذلك، ففسَّر قولته الأولى المُعجزة بأنه عنى بذلك أن يحضُر ولا يتكلم!
والأمر الثاني الذي دأَب الجنرال عون على تكراره يومياً هو الهجوم على رئاسة الحكومة، ورئيس الحكومة، وصلاحياته، وشرعية الأجهزة والمؤسسات التابعة له. وعندما قيل له إن ذلك من ضمن الدستور واتفاق الطائف، قال: مرحباً طائف، ولماذا لا يتغيَّر الدستور إذا كان فاسداً؟! والمعروف ان الجنرال عون ليس بينه وبين الطائف والدستور أيّ حائطٍ عامر. فهو يعتبر أن عقد مؤتمر الطائف آخر العام 1989 بعد أن احتجز الدولة عاماً ونصف عام، حرمه أول مرة من رئاسة الجمهورية، وفي المرة الثانية حرمهُ من ذلك التمديد السوري للرئيس لحود. وصبر على مضضٍ لأنه عاد من باريس باتفاقٍ مع الوصاية ولحود. ثم جاء اغتيال الرئيس الحريري وخروج السوريين من لبنان، وقيام 14 آذار، ليحرمه من «حقِّه» في الرئاسة للمرة الثالثة. وهذا سرُّ حقده على الطائف والسنّة والدستور، ورئيس الجمهورية الحالي، ولا ندري مَنْ ومَنْ أيضاً!
وهكذا فالترتيب الذهني والواقعي عند الجنرال عون وبلا شورٍ ولا دستور، وإن لم يكن للوصول الى الرئاسة، فعلى الأقلّ للانتقام ممن حرموهُ من الوصول إليها: الاستناد الى الخصومة التي يفترضها بين السُنّة وبين سورية، والخصومة التي يفترضها بين السنّة والشيعة، والى تخويف المسيحيين من «الإرهاب» السنّي – كلُّ ذلك يمكن أن يقود الى كسر شوكة 14 آذار، والفوز في الانتخابات، وإعادة النظر حتى في انتخاب رئيس الجمهورية الحالي!
والطريف أنه لا يكتفي بالحديث عن «المال السياسي» لدى خصومه، متهماً حلفاءهم الإقليميين بذلك، وبنشر الفتن في لبنان، بل يتجه أيضاً الى وضع «ترتيب» محليّ وإقليمي، يُشبهُ في نصاعته وفظاعته ترتيباته اللبنانية العتيدة الأخرى. وهنا يبدأ أيضاً من الطائف، ليُكيِّف الوضعَ الراهن في المنطقة من وجهة نظره. فالطائف الذي يكرهه هو من صنع السعودية وسورية بموافقة الولايات المتحدة، وقد خرجت سورية من لبنان، وبقيت السعودية! وهكذا، في نظر الجنرال، السعودية هي سببُ مشكلته الآن، وإذا خرجت أو أُخرجتْ يزولُ الطائف الكريهُ أو يتغير، ويختفي أعداؤه المحليون كلمح البصر، ويحضر السوريون و «حزب الله» بل وإيران، وكلهم معه، فتحدث المعجزةُ قبل انقضاء الزمان وتقلُّب الأكوان، وفَقْد الإخوان!
وهذا الكلام ليس انشائياً ولا ساخراً. بل هو مأخوذٌ من تصريحات الجنرال عون المتكاثرة، فعلى مشارف ذهابه الى ايران (وطبعاً ليس من أجل المال السياسي، بل لأمورٍ أخرى سنتحدث عنها في ما بعد) اعتبر الجنرال الدولة الإيرانية اليوم القُطب الاستراتيجي في المنطقة. انما كيف سيستفيدُ لبنانُ من قوتها؟ لن يستفيد الجنرال من ذلك في مواجهة اسرائيل، بل في طرد النفوذ السعودي والعربي من لبنان! وهو هنا يترجحُ في تعليلاته بين أحد القُطبين: المسيحيون أقلية صغيرة ويحتاجون الى طرفٍ قوي لحمايتهم، والموجود «حزب الله» وسورية وايران. أما القطب أو التصور الآخرُ، فمُعاكس تماماً للأول لأنه يتعلقُ بشخصه الكريم: ايران قُطب، وهو قُطبُ المسيحيين ليس في لبنان وحسب بل في الشرق كلِّه، لذا فهو ذاهبٌ لكي يلتقي القطبان، فينحسر الظلُّ العربيُّ الضعيف عن لبنان! وسأُضيفُ من عندي هذه المرة أمراً لعله لم يغب عن الذهن الاستراتيجي للرئيس عون: يقال إن العلاقة بين ايران وسورية لم تعُد على ما يُرام، لذا فقد يكون في ذهن القيادة الإيرانية استبدال عون بسورية. وهذا أدعى بالفعل الى خوف اسرائيل التي هزمها «حزب الله»، والولايات المتحدة الغارقة في أزمتها المالية. فالجنرال الآن يتقدم الصفوف في عدائه للدولتين الغاصبتين. أَوَ لم يتنبّه مُشاهدو القنوات الفضائية قبل شهرٍ أو أكثر الى حملة الجنرال عون على السُنّة لأنهم يريدون توطين الفلسطينيين في لبنان، وكيف وجد لسلاح «حزب الله» وظيفةً جديدةً هي منعُ التوطين؟! ولم يوضح الجنرال كيف سيفعلُ «حزب الله» ذلك، لكن بعض أنصاره المتحمسين فسّروا وجهة نظره بحربٍ ثُنائية يشنّها الحزب (بأمرٍ من الجنرال طبعاً!)، تُرغمُ من جهة اليهود على السماح للفلسطينيين بدخول الأرض المحتلة، وتُرغم من جهةٍ أخرى الفلسطينيين الملاكين على مُغادرة لبنان!
كان المفكّر السياسي الأميركي زينيت قد انتقد رؤية ماكس فيبر (1864 – 1920) في شأن ضرورة الاحتراف السياسي، بحيث يتفرّغ العاملون في الشأن العام لعملهم، ومنه يكسبون رزقهم. زينيت لا مانع عنده أن يتفرّغ السياسيون طبعاً، لكن عند توليهم منصباً و»ليس على طول»، ذلك أن الاحتراف السياسي قد يتحول الى «حرفةٍ» تُثري أكثر مما تُثري التجارة أو المضاربة في البورصة (ملاحظة: كان ذلك عام 2004 تاريخ صدور الطبعة الثانية من كتابه: سقوط الرجل العام، أي قبل انهيار البورصات أخيراً!). بيد ان ذلك النقد لا يسري على الجنرال عون، لأنه ليس محترف سياسة، بل هو محترف رئاسة. لكن ينبغي الاعتراف أيضاً بأن الرجل وسواء أكان محترفاً أم لا، وبفضل ظهوره اليومي على التلفزيون، ما عاد محتاجاً حتى لتبرُّع أنصاره المتحمسين عندما كان رابضاً في القصر الجمهوري (1988 – 1990)! انما في النهاية هل سيصبح الجنرال رئيساً؟ يتوقفُ ذلك على ثلاثة أمور: أن تكون ايران هي القطب الاستراتيجي الأول في المنطقة، وأن يُريده اللبنانيون رئيساً، وأن يكون الجنرال عون قُطب المسيحيين في الشرق المسكين!