من يقف خلف تهجير مسيحيي العراق؟
… ليست عملية تهجير المسيحيين من بلدهم العراق حالاً منفصلة عن سيناريو جهنمي خطير للغاية، وقد حكي عنه الكثير اثناء احتلال هذا البلد العربي الكبير وتدميره، ولكن في تلك الفترة بقي من دون إسناد حتى ظهرت، وللمرة الاولى في تاريخ العراق، قوى لها الطابع المذهبي تتسلح وتتدرب وتقوم بتنظيف مناطقها من كل من لا ينتمي إليها مذهبياً وطائفياً، وبرز في هذا الاطار دوران بارزان، تمثل الاول بالاحتلال الاميركي، واما الثاني فتمثل وبوضوح بالتمدد الايراني الى مجمل الجنوب العراقي تقريباً.
.. والواضح تماماً ان السيناريو يقوم على تقسيم العراق الى ثلاث دويلات في الشمال والوسط والجنوب، الاولى دويلة كردية أصبحت جاهزة، ولها مؤسساتها وجيشها، والثانية دويلة اسلامية سنية في الوسط لم تكتمل معالمها بعد، وهي تفتقر الى الثروات، ولا نفط في باطن ارضها، واما الثالثة فهي دويلة شيعية في الجنوب، وتمتلك آبار نفط بمساحات شاسعة، وهي مجهزة بكل المستلزمات، ومدعومة وبقوة من ايران.
… من الطبيعي عندئذٍ وأمام هذا الواقع قراءة عملية تهجير المسيحيين من كل هذه الزوايا، إذ ان العملية، وهي مدانة ومرفوضة بالطبع، تقضي بإلغاء الواقع المسيحي في العراق، حتى يكون هذا البلد الكبير جاهزاً لقيام دويلات على قياس الذين سيكونون أدوات لتقسيمه.
.. والسؤال هو، من يقف وراء هذه العملية البغيضة، ومن المستفيد منها؟ .. إن المستفيدين بصورة أساسية هم اولئك الذين لا يريدون عودة العراق موحداً وقوياً، وعلى رأسهم بالطبع الولايات المتحدة الاميركية وإيران، ولكن مع ذلك نحن نميل الى الاعتقاد بأن من يقف وراء هذه العملية هو اسرائيل، لانها أيضاً مستفيدة من تقسيم العراق وإضعافه، لانه اذا ما استعاد وحدته وقوته فإن سيكون الداعم الأقوى لما يسمى بالجبهة الشرقية في مواجهة أي اعتداء اسرائيلي، أو حتى في مواجهة التمدد الايراني، وكذلك فان مصلحة اسرائيل تكمن بإقامة دويلات طائفية ومذهبية في المنطقة لتبرر على الاقل يهوديتها، كما أن تقسيم العراق يضع المنطقة العربية كلها على كف عفريت، وستصبح عندئذٍ مهددة بالتقسيم.
.. إن الوجود المسيحي في العراق تاريخي، ويعود الى ألفي سنة، والمسيحيون شاركوا وبقوة في بناء العراق الدولة الموحدة والقومية، والتي تمتلك إمكانات ضخمة وكبيرة للغاية، وهم من ضمن النسيج الوطني العراقي والعربي بصورة عامة، وتهجيرهم هو مسألة خطيرة للغاية ستنسحب على مجمل الوضع العربي بصورة عامة، من هنا، فإن كل العرب مطالبون بالتصدّي لهذه الظاهرة، والعمل وبقوة لدعم مسيحيي العراق، حتى لا ينسحب تهجيرهم على وحدة هذا البلد ووحدة الدول العربية برمتها بأسوأ السلبيات.