ملاذ آمن ولكن!
في الخامس من تشرين الأول كتبت صحيفة "التايمز" البريطانية على صفحتها الاولى مقالا عن الازمة المالية التي تعصف الآن باسواق العالم، وعددت الامكنة التي تمثل افضل فرص للاستثمار الآن، بينما يتجه الاقتصاد العالمي الى الركود تقريبا، وقد اختارت لبنان في مقدم هذه الامكنة.
طبعا اهل السياسة عندنا غارقون في المقارعات وفي حفر الحفر مسبقا لبعضهم البعض مع اقتراب الانتخابات النيابية، التي ينظر اليها في اوساط الاكثرية والمعارضة ايضا على انها تشبه "نهاية الكون" بمعنى انها "ام المعارك" و"معمعة كسر العظم" التي ستقرر مستقبل لبنان واللبنانيين لمدة بعيدة.
ولأن الامر على هذا النحو لم تحظ المسألة المالية وموقع لبنان فيها ومنها بما يكفي من الاهتمام.
ربما لم يقرأ عدد كبير من المسؤولين ما كتبته صحيفة "التايمز". وحدها قلة من رجال الاختصاص وبينهم السيد غابي قسيس نائب المدير العام لبنك عوده، توقفوا عند ما كتبته الصحيفة المذكورة، لا من قبيل المفاخرة بالوضع المالي المتين في لبنان فحسب، بل بدافع التنبيه الى امور اربعة هي:
☐ أولا: ضرورة تعميق وتوسيع الاجراءات الضامنة والقوانين الحمائية التي كان البنك المركزي قد اوصى المصارف اللبنانية بها في تعاميمه. وهو ما ساعد في درء اخطار الانغماس في فوضى السوق المالية واصداراتها واسهمها التي صنعت فقاعة "التسونامي المالي".
☐ ثانيا: ضرورة عدم الاكتفاء باشاعة روح الارتياح، رغم التشديد على عامل الثقة وهو اهم عوامل الاستقرار التي يجب ان تتوافر للمصارف والسوق المالية والاستثمارية، وهذا يعني ان ما فعله القطاع المصرفي اللبناني عظيم حتى الآن، لكن الأعظم فعلا هو الانكباب الفوري على اعداد خطة امتصاص ومعالجة، لمواجهة الارتدادات السلبية التي ستنجم عن الزلزال المالي الدولي. وليس سرا في هذا السياق ان عددا كبيرا من اللبنانيين العاملين في قطاعات المال سواء في الغرب او في الدول العربية قد بدأوا يعودون اضطرارا الى البلاد بعد فقدان وظائفهم وهو ما يرتب مسؤوليات كبيرة وضغوطا على الحكومة.
كما انه ليس سرا ان مجموعة واسعة من الودائع العربية خرجت من لبنان لتغطية مواقع في الغرب. ورغم دخول ودائع جديدة هاربة من "التسونامي المالي" وهي طائلة وكبيرة، فان وجودها في المصارف اللبنانية، يرتب تحديات كبيرة على هذه المصارف لجهة توظيفها وسط اجواء تنحو الى الحذر المبالغ فيه دوليا ان لم نقل انها تنحو الى الركود!
لهذا كله لا يكفي ان نستمر في القول: "اطمئنوا واذهبوا وناموا على حرير" لان الوقت وقت عمل، لا بل وقت ابداع.
☐ ثالثا: اذا كان لبنان قد اضاع فرصة الفورة النفطية الثانية في خلال الاعوام الثلاثة الماضية عندما كان غارقا في ازمته السياسية الداخلية، وما اعتورها من اضطراب امني، فمن الضروري الا يضيع الآن فرصة تصنيفه من ارفع المراجع المالية في العالم ملاذا آمنا للرساميل والاستثمارات.
كيف يتصرف وماذا يفعل ليتحول قاعدة ذهبية للودائع والاستثمارات؟
هذا السؤال – التحدي هو الذي يجب ان نرد عليه كخبراء ماليين وكذلك كسياسيين ومسؤولين عن البلاد.
☐ رابعا: تقتضي الامانة والموضوعية ما هو اكثر من الثناء على حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، الذي كان فعلا رجلا رؤيويا عندما حمى لبنان من ان يقع في الازمة الراهنة التي تجتاح العالم، وكذلك عندما حال دون وقوعه في ازمات اقل كانت البلاد قد واجهتها في عدد من مؤسساتها سابقا.