تلك "المسألة الأخرى".. التي هي مشكلة لبنان الحقيقية!!
من غرائب العمل السياسي في لبنان أن يعمد فريق (يقول إنه يمثل الأكثرية الشعبية؟!) الى »الخندقة« مع القوات المسلحة السورية على حدود بلاده الشمالية تحت نظرية أن هذه القوات تتحضر للعودة مجدداً، وأن يدخل في ظن فريق آخر أنه ربما كان ذلك صحيحاً فيعمد من جهته الى »التمترس« استعداداً لمواجهة محتملة.
والنظرية ليست من دون أساس، لا في دمشق ولا لدى حلفائها في بيروت قديماً وحديثاً، إلا أن وجه الغرابة يكمن في الجهر بها من ناحية وربطها بفك العزلة الدولية ـ الفرنسية والأميركية أساساً ـ عن النظام السوري من ناحية ثانية. والأكثر غرابة أن يتم، لتبرير ذلك، استحضار ليس تاريخ العلاقات »المتداخلة« بين سوريا ولبنان فقط بل أولاً وقبل ذلك تاريخ النزاعات المحلية اللبنانية تحت مقولة أن هذه النزاعات هي عبارة عن »حروب أهلية« شبه دائمة لم تتوقف يوماً إلا بعد أن تدخلت قوة خارجية ما فيها وفرضت، بالقوة العسكرية أو بالضغط السياسي، وضع حد لها.
وعلى هذا المنوال، أنصت اللبنانيون سواء في الإعلام أو على ألسنة عدد من العاملين في السياسة والأحزاب والثقافة والتنظير في الأيام الأخيرة ـ بعد همس كان يتردد في ما بينهم في الأعوام الماضية ـ الى مقولات من صنف:
ـ ان ما كان الفرنسيون، وتالياً الأميركيون والإسرائيليون، يعتبرونه خطوطاً حمراء في وجه التحرك السوري باتجاه لبنان قد انتهى عملياً بانتهاء العزلة التي فرضت على نظام دمشق منذ العام 2004، وأن حشود هذا النظام العسكرية على حدود لبنان الشمالية ليست إلا دليلاً حسياً على ذلك.
وإذا كان بعض حلفاء هذا النظام يرون في سقوط الخطوط الحمر مجرد عودة سياسية مغطاة اقليمياً ودولياً، ولا قدرة لبنانية على منعها، فبعضهم الآخر يذهب الى حد تصويرها على أنها تجسيد متجدد على الأرض لما كان عليه الوضع في خلال العقود الثلاثة الماضية.
ـ انه لا فرق نظرياً، ولا عملياً بالتالي، بين مبادرة بيكر ـ هاميلتون التي دعت في العام 2007 إدارة جورج دبليو بوش للتعامل مع سوريا في كل من العراق ولبنان وفلسطين وبين سياسة وزير الخارجية الأميركي الاسبق هنري كيسنجر التي أعطت في العام 1967 الضوء الأخضر (الأميركي الإسرائيلي) لدخول القوات السورية الى لبنان. فـ«الإرهاب« واحد في الحالتين، يقال علناً، وان اسمه فلسطينياً يومها بينما هو سلفي وتكفيري وربما يرتبط بـ«القاعدة« حالياً. وإذا أضيف الى ذلك أن »الإرهاب«، كما يقول السوريون الآن، بات يشكل تهديداً جدياً لنظام حكمهم الذي يحظى بقبول دولي وهو مدعو لتغيير سلوكه فقط، تكون نظرية العودة الى لبنان باتت مكتملة الفصول.
ـ ان اللبنانيين، بطوائفهم ومناطقهم ومذاهبهم وتياراتهم الحزبية والسياسية، لم يتمكنوا طيلة الأعوام الأربعة الماضية من الوصول الى »توافق« في ما بينهم، لا على حل مشكلاتهم ولا على طريقة حكم أنفسهم، وأن »شرائح وازنة« من هذه الطوائف والمذاهب والتيارات الحزبية والسياسية ترى في تكريس »التحالف الاستراتيجي« الذي استمر لسنوات بين لبنان وسوريا، وبينه وبين إيران، نافذته للخلاص من مأزقه بعد أن كان نافذته لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيه في العام 2000 وللحيلولة دون الاحتراب الأهلي بين مكوناته طيلة خمس عشرة سنة على الأقل.
بل أكثر من ذلك، فما شهده اللبنانيون في تلك الأعوام (اغتيالات سياسية وتفجيرات أمنية واستقالات واعتصامات من ناحية، ولا رئيس جمهورية ولا مجلس نواب ولا حكومة تحكم من ناحية ثانية) وفي المرحلة الأخيرة تحديداً (7 أيار وما بعده) كشف الى أي حد يمكن أن يكون بلدهم »مكشوفاً من الغير« (؟!) ليس أمنياً وسياسياً فقط وإنما وجوداً مادياً كوطن وكدولة ايضاً.
حاشية: لا كلمة تقال هنا إلا عن دور »المشروع الأميركي للمنطقة«، ودور »الاعتدال« العربي، والخضوع الكامل للإملاءات من الفريق اللبناني الآخر، في ايصال لبنان الى ما وصل إليه حتى الآن).
ـ وأخيراً وليس آخراً، انه بعد الانهيار الكامل لـ«المشروع الأميركي« وهزيمة اسرائيل في عدوان العام 2006، و«سقوط النظام الرأسمالي كله بسبب الأزمة المالية الراهنة«، فان دول العالم تتسابق لنيل رضا النظام السوري ، والنظام الإيراني طبعاً.. من اسرائيل التي تسعى جاهدة لإعادة الجولان، وتوسط تركيا وفرنسا لهذه الغاية، الى الولايات المتحدة التي تظن أنها بهذا الرضا تعوض بعض خسائرها في أفغانستان أو في العراق، الى فرنسا وأوروبا اللتين أدركتا قبل فوات الأوان مدى الخطيئة التي ارتكبتاها عندما تجاهلتا دور سوريا في أمن المنطقة واستقرارها، وأخيراً الى روسيا التي عرفت »اصدقاءها« الحقيقيين بعد أن اكتشفت ما كان يدبر لها في جورجيا وابخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
مشكلة هذه النظرية، يقول أصحابها، إن بعض اللبنانيين لم يعودوا يكتفون بأن يكونوا »خونة« و«عملاء« فقط بل هم يصرون على تجاهل »توازن القوى« الجديد الذي تحول جذرياً لغير صالحهم في المنطقة (وتالياً في لبنان)، ويتخيلون أن بإمكانهم الحديث بعد عن سيادة أو حرية أو استقلال.. أو حتى عن محكمة دولية!
أما أن يكون هذا البعض »خونة« و«عملاء« للمشروع الأميركي ـ الصهيوني، ويكون هذا المشروع هو الذي يقود الحالة في زمن إرخاء العزلة الدولية تماماً كما كان يقودها في زمن العزلة، فتلك تبقى مسألة أخرى!
.. وأن يكون »الانتقال من ضفة الى أخرى« (التعبير الأثير لدى المنظرين) لم يتم من قبل المشروع بل إليه، وفي سياق مفاوضات تسووية ناشطة بين اسرائيل وسوريا من جهة، وبين الولايات المتجدة وإيران حول ملف إيران النووي ودورها الإقليمي من جهة أخرى، ووسط »تفهم« يكاد يبلغ حد الترحيب بنشر القوات المسلحة السورية على حدود لبنان (تنفيذاً للقرار الرقم 1701، وفق التعبير السوري) فتلك مسألة أخرى بدورها!
..وأن يكون »الإرهاب«، ان في العراق أن في أفغانستان أو في لبنان أو أخيراً في سوريا، هو هو بغض النظر عن صناعه ورعاته وأهدافه الآنية، وأن يتساوى الجميع لهذه الناحية في كونهم ضحايا له ليس إلا، فتلك مسألة أخرى ايضاً وأيضاً!.
….وما يبقى أن مشكلة لبنان الحقيقية انما تكمن في تلك »المسألة الأخرى«!!