#adsense

مسيحيو العراق يدفعون ثمن الصراع المذهبي السني ــ الشيعي

حجم الخط

مسيحيو العراق يدفعون ثمن الصراع المذهبي السني ــ الشيعي

لا يمكن وصف ما يجري في العراق منذ العام 2003، بحق المسيحيين العراقيين، من قتل للمدنيين ‏ولرجال الدين، ومن تدمير للكنائس والمدارس، ومن احراق للبيوت والمحال التجارية، ومن تهجير ‏قسري لمئات الاف العائلات، سوى انه عملية ابادة جماعية لابناء طائفة، هم الاصيلون والاوائل ‏في تلك البلاد، وهم أهل الارض، وكل ذلك جرى ويجري، وسوف يستمر حتى آخر مسيحي، على مرأى ‏ومسمع، ليس من قوات الاحتلال «المسيحيين» وحسب، بل من جميع الدول العربية والاسلامية، وجميع ‏دول العالم، الذي يعتبر ذاته حراً.

‏ ان الطريقة التي تتبع لمطاردة المسيحيين في العراق وقتلهم، تذكر العالم بالطريقة التي ‏اتبعت سابقا لقتل الهنود الحمر في القارة الاميركية وسلبهم اراضيهم وارزاقهم وحصرهم في ‏مجمعات مهيأة سلفا ليموتوا فيها لا ليعيشوا، كما تذكر بالمجازر التي ارتكبها العثمانيون ‏بحق الشعب الارمني المسيحي، وبتشريد من بقي على قيد الحياة في كل اصقاع الارض، وبالشعب ‏الفلسطيني الذي لقي المصير ذاته على يد الاسرائيليين، وما يحصل اليوم في عكا الفلسطينية ‏مثل مشابه لما يجري في الموصل العراقية.

‏ ‏******‏
هذه الجريمة الموصوفة، لا تشرّف العرب ولا المسلمين، ولا تعفي مسيحيي العالم من مسؤولية ‏اللامبالاة القاتلة، ولا من ردّات الفعل الخجولة التي لا تتناسب مع حجم هذه الجريمة التي ‏ترتكب ضد الانسانية، كما ان الاستفاقة المتأخرة لحكام العراق الذين اعلنوا اكثر من مرّة ‏عن قدرتهم على حفظ امن المواطنين، لا تحل محل «التطنيش» المستمر وربما التواطؤ من البعض، ‏على ما تعرّض له مسيحيو العراق ويتعرضون له في اليومين الماضيين، واذا كانت التدابير التي ‏تزمع الحكومة العراقية القيام بها للحد من اضطهاد المسيحيين في الموصل وباقي المناطق ‏العراقية، كتلك التي جرت سابقا، يمكن منذ اليوم ان نتوقع هجمات اشد، ومجازر اوسع، بحق ‏المسيحيين العراقيين.

‏ كلنا يعرف، ان المتطرفين الاسلاميين التكفيريين يسعون اينما كان للنيل من المسيحيين، ومن ‏المسلمين المعتدلين الذين يشكلون اكثرية في مختلف المذاهب الاسلامية، انما الملاحظ، ان ردود فعل ‏هذه الاكثرية على ما يرتكبه هؤلاء، لا تتناسب مع الرغبة في المحافظة على مبادئ الاسلام ‏السمحة، ولا مع الدعوات الى التقارب والحوار وفهم الآخر واحترام رأيه وعقيدته وثوابته ‏الدينية، وهذه المواقف «الرخوة» تشبه كمية الدواء غير الكافية للقضاء على الداء الذي ‏تتولد عنده مناعة اقوى للانقضاض على السليم من الاعضاء.

‏ ‏******
‏ المثال على هذه المواقف المائعة عند المسلمين المعتدلين، وعند المسيحيين ايضا، انه حتى ‏الساعة، باستثناء ما صدر عن الكرسي الرسولي في الفاتيكان ومجلس كنائس الشرق الاوسط، لم ‏يصدر اي موقف من الطوائف الاسلامية والمسيحية في لبنان والعالم العربي والاسلامي والعالم ‏كله، يدين ويستنكر ويشجب ويطالب بحماية مسيحيي العراق، ومعاقبة الجهة او الجهات ‏المسؤولة عن جرائم القتل والاحراق والتهجير، وكأن ما يجري في العراق، وهو بلد عربي متنوع ‏الطوائف والمذاهب مثل لبنان، لا علاقة له بالاسلام او المسيحية، بل هو شأن داخلي عادي ‏يعالج بالتي هي احسن، واذا كان العتب على مسلمي لبنان نابعا من محبتنا لهم ومعرفتنا ‏بجوهرهم، الا انه بالنسبة الى المسيحيين ادانة لهم، وتنديدا بصمتهم، واستنكارا لغيبوبة قد ‏يستفيقون منها يوما ليجدوا ان مسيحيي لبنان والعالم العربي قد أُكلوا يوم أُكل مسيحيو ‏العراق.

‏ ليس عدلا، ولا مسموحا، ولا اخلاقيا، ان يدفع المسيحيون العراقيون المسالمون ثمن خلافات ‏مذهبية وسياسية تتحكم بالسنة والشيعة منذ فجر الاسلام.

‏ وليس منطقيا، ولا مقبولا، ان يدفع مسيحيو الشرق ثمن قيام اسرائيل، وثمن احتضانها من قبل ‏الغرب، الذي لم يعد مسيحيا ملتزما منذ زمن طويل، بل اصبحت المصالح الخاصة عنده، تتقدم ‏غيرته على المسيحية والمسيحيين، ولذلك فان المسلمين العرب يقفون امام محطة حاسمة في تاريخهم، ‏فاما انهم تحولوا الى مسلمين، كآخر مسلم في اخر صقع من العالم، واما انهم ما زالوا مسلمين ‏عربا، تعني لهم العروبة والقومية العربية التي حملها المسيحيون العرب على اكتافهم طوال ‏قرون، الشيء الكثير، فيسارعوا الى اعادة تحصين العروبة بما تختزن من مآثر الاديان المتعددة ‏ومحاسنها، كما كانت غابرا، وكما يجب ان تستمر.

‏ اضطهاد المسيحيين في العراق، جرح نازف في جسد هذا الشرق، ومعالجته لا يمكن ان تتم الا على ‏ايدي المسلمين العروبيين الحقيقيين.

المصدر:
الديار

خبر عاجل