فكّ المسارين
… هو يوم تاريخي في العلاقات اللبنانية – السورية، لا يحتاج لتكرار تأكيد صفته لئلا نكون كمن يفسر الماء بالماء. أنهار كبيرة جرت في شرايين الروابط بين جار "صغير" لطالما وصِف بالخاصرة "الرخوة" التي لا تستطيع صد الرياح وأنواء "المتآمرين" من خارج المنطقة، وشقيقة كبيرة وجدت نفسها طويلاً أمام المشككين في نياتها، وفي أهواء "الطمع".
15 تشرين الأول (أكتوبر) 2008 يرسم خريطة جديدة للعلاقات بين لبنان وسورية، ما زالت خطوطها الأولى تتشكل، وإن كان بين العرب مَن يلوم دمشق لأنها أعطت ما أعطت بإقامة العلاقات الديبلوماسية الكاملة مع الجمهورية اللبنانية، الى الراعي الفرنسي وليس العربي (الجامعة)… فالمهم ان الإنجاز تحقق بعد أكثر من نصف قرن على استقلال البلدين.
ومثلما يحق لدمشق ان ترفض التشكيك في نياتها وفي رغبتها إكمال مسيرة تصويب العلاقات مع لبنان، يحق لشريحة كبيرة من اللبنانيين ان تطلب المزيد من دمشق، على طريق استئصال كل الشوائب في هذه العلاقات، وهي شوائب أدمت اللبنانيين والسوريين معاً.
أما السؤال لماذا لا، قبل عشرين أو ثلاثين سنة مثلاً، أو بعد ولادة اتفاق الطائف، فلم يعد يجدي إلا مزيداً من الإبحار في النيات، والتشويش على المسار الجديد الذي يفترض لنجاحه عدم تسييس ملفات في عهدة القرارات الدولية. يفترض بالتأكيد إنجاز ترسيم الحدود وتسهيل صيغة لوضع مزارع شبعا في عهدة الأمم المتحدة مرحلياً، ووقف النزف من جرح المفقودين والمعتقلين.
وبين مقتضيات نجاح المسار الجديد الذي دشّنه البيان اللبناني – السوري المشترك أمس، إصرار من الجانبين على أن محاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومرتكبي جرائم اغتيال الشهداء: بيار الجميل وجبران تويني وسمير قصير ووليد عيدو وأنطوان غانم وجورج حاوي، افضل حصانة للعلاقات اللبنانية – السورية، إذا استُكمِلت الى نهاياتها، من دون تسييس، ومن دون تشكيك في رغبة المحكمة في التسييس أو الخضوع لأي ضغوط مساومة.
قد تعتبر دمشق انها بخطوتها "اللبنانية" ستقطف ثمرة فك كل العزلة الغربية، وكلما أوفت بالتزاماتها لن تلقى سوى الترحيب، حتى من واشنطن التي تطبق من دون إعلان رسمي، توصيات بيكر – هاملتون بفتح حوار مع مَن كانت تصفهم بالأعداء. قد تحتفل باريس لأنها سجلت "انتصاراً" سياسياً لنهج الأبواب المفتوحة مع سورية، وإنْ كان الإليزيه قدم المكافأة مسبقاً. أما اللبنانيون فالأمل ألا ينقسموا مجدداً على أولويات خريطة الطريق الى إزالة الشوائب في العلاقات مع سورية التي يُفترض ان تعود بوابة لبنان الى العالم العربي، وليس الى إيران فقط، كما يراها كثيرون في الخاصرة "الرخوة" التي تحولت الجبهة الوحيدة المفتوحة مع اسرائيل، وعلى تهديداتها.
في السياسة كما في الأمن، استيعاب ما يسميه رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة دروس الماضي، يفرض اختبارات لا عودة عنها، مثل بيان بدء التبادل الديبلوماسي مع دمشق. بتعبير آخر، هي رحلة ذهاب بلا إياب، يفترض ان يعتاد فيها اللبنانيون بأكثرياتهم ومعارضاتهم، معالجة خلافاتهم بأنفسهم، والامتناع عن تشجيع الجانب السوري على الاستقواء به، كما يملي المسار الجديد عليه، إحالة من يطلب دعمه من اللبنانيين الى مؤسساتهم الدستورية. أليس ذلك في صلب موجبات "الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال" سورية ولبنان؟
وإذا كان تكافؤ المطالب المتبادلة بين البلدين صعباً أو متعذراً بحكم حقائق تاريخية وجغرافية، فالأكيد ان رغبة دمشق في تنسيق أمني لمواجهة "إرهابيين"، ستشجع أطرافاً لبنانيين على طلب تنسيق مقابل لرفع الغطاء عن جهات فلسطينية ترعى جزراً محظورة على السلطات اللبنانية.
خريطة معقدة لتراكمات الشوائب، فيما معاناة لبنان مع الإرهاب مديدة. وإذا جاز مبكراً، بعد بشرى بيان التبادل الديبلوماسي بين بيروت ودمشق، رفع أسهم التفاؤل، هل يجدر التساؤل عن دفع مسيرة الحوار الوطني اللبناني، والجزم بأنه سيتحول صناعة محلية خالصة، من دون استقواء بأي لاعب إقليمي أو دولي؟… ولا حتى بممرات الجغرافيا وحقائقها.
مع دمشق، وبعد التبادل الديبلوماسي، بين الأسئلة المحتملة هل بدأت مرحلة فك وحدة المسارين رسمياً بين لبنان وسورية والتي لا تعني تفكيك "معاهدة الأخوة والتعاون" حتماً؟ حين تقبِل سورية الشقيقة والجارة على التفاوض مع إسرائيل لاستعادة الجولان المحتل، سلماً، ألا يحق للبنان استعادة سلامه؟… وإلا أي استقلال مشرَّعة نوافذه على الحروب والفتن؟