سورية والمناصحة
يبتعد المرتكب عندما يقبض عليه، أياً تكن خطورة فعلته، عن السلوك الذي اتبعه في حياته والنهج الذي أوصله الى السجن، لأنه لا يملك خياراً آخر بانتظار صدور الحكم عليه. وبين هذين الحدين وقت يمنحه الفرصة لمراجعة نفسه، فإما يقر بذنبه ويعترف بأخطائه فيمنحه ذلك رأفة القضاة، وإما يصر على خطأه فينال عقوبة قد لا تنتهي بانقضاء عمره، وتختلف بين نظام قضائي وآخر. لكن السعوديين، على سبيل المثال، ابتكروا تجربة تمنح الذين تورطوا في اعمال ارهابية بعدما ضُللوا وتعرضوا لغسل دماغ، فرصة مراجعة انفسهم والعودة الى طريق الصواب، سمّوها المناصحة، وتقوم على محاججة هؤلاء في الاسباب التي دفعتهم الى الانحراف وتبيان تعارضها مع أسس الدين الحنيف، انطلاقا من حق اي شخص في فرصة ثانية، حتى ولو ثبت ذنبه.
ويعرف المسؤولون السعوديون ان بين الذين تشملهم المناصحة من قد يقتنع فعليا بما يعرض عليه من حجج وأسانيد ويختار العدول عن مسلكه والابتعاد عن اسباب ضلاله، وبينهم ايضاً من يدعي الاقتناع لمجرد الحصول على اسباب تخفيفية ربما وصلت الى اطلاق سراحه. وقد حصل ان عاودت قوات الامن اعتقال ارهابيين سبق ان سجنوا وأفرج عنهم بموجب هذا النظام بعدما تعهدوا بعدم العودة الى سابق ارتكاباتهم.
وما ينطبق على الافراد ينطبق ايضاً على الدول. فبعد اغتيال رفيق الحريري صدر "حكم" شعبي لبناني و "حكم" عربي ودولي يدين اسلوب سورية في التعامل مع لبنان على مدى ثلاثة عقود. وكان ان خرج جيشها منه، وفرضت عليها عزلة سياسية عربية ودولية، ووقعت تحت ضغط المطالبة بالعدول عن سلوكها وتصحيحه وإقامة علاقات طبيعية مع جارها الصغير ترتكز الى الندية واحترام الحدود والسيادة. لكن دمشق لم تمتثل، وواصلت تدخلها المباشر وغير المباشر في الشؤون اللبنانية مستعينة بحلفائها فيه، واستمرت في الضغط على نظامه الديموقراطي الهش وعلى أمنه عبر فتح الحدود لتسليح "حزب الله" وغيره، وعبر الإصرار على اعتباره "تابعاً" يفترض به التزام ما يخدم سياستها، بانتظار ان "يتعب" المجتمع الدولي من متابعتها او "يتغير مزاجه وحكامه".
وكان الرد على هذا التعنت استمرار العزلة والضغوط، الى ان فتحت كوة "المناصحة" الفرنسية، لإقناع دمشق بأن العودة الطبيعية الى العالم مشروطة بسلسلة خطوات تثبت للمجتمع الدولي انها غيرت سلوكها فعلا وانها "اقتنعت" بضرورة ان تسمح للبنان باستعادة استقراره. وعلى رغم الحشود العسكرية على حدوده الشمالية والحديث عن "بؤر للارهاب" في عاصمته الثانية، استجابت دمشق لطلب إقامة علاقات ديبلوماسية مع جارها، في خطوة رمزية مهمة، رغم انها لا تزال تتهرب بحجج شتى من قرار ترسيم الحدود الكاملة معه.
واذا كان البعض رأى في القرار السوري "فاتحة خير" ودعا الى استكماله بخطوات اضافية ليس اقلها اقفال "حنفية" تهريب السلاح، فإن النتائج الحقيقية للمناصحة الفرنسية قد تكون بانتظار اختبار التقرير النهائي للجنة التحقيق في اغتيال الحريري واقتراب استحقاق المحكمة الدولية.