تبادل السفارات والسفراء بين لبنان وسوريا وشروط نجاح المرحلة الجديدة
15 تشرين الأوَّل 2008 تاريخ يدخل في التأريخ على مستوى العلاقة بين لبنان وسوريا. فهو يُنهي مرحلة من الإلتباس دامت خمسة وستين عاماً، أي منذ إستقلال لبنان، سادتها حقائق ووقائع وإتهامات وثقافة متكاملة مضمونها أن سوريا لا تعترف بلبنان وطناً سيداً، فيأتي إصدار الرئيس السوري بشار الأسد مرسوماً بفتح سفارة في لبنان كنهاية عهد وبدء عهد جديد بين البلدين.
لكن هل يعني قرار فتح السفارة نهاية المطاف؟
بالتأكيد لا، فالسفارات بين الدول ليست كل شيء، فمعظم النزاعات والحروب والمشاكل في العالم المعاصر نشأت بين دولٍ تقوم في ما بينها علاقات ديبلوماسية، وغالباً ما كانت تنتهي هذه العلاقات بسحب السفراء.
السؤال هنا:
كيف يجب أن تُبنى المرحلة الجديدة لتأتي خالية من الشوائب والعثرات؟
الشرط الأوَّل أن تُبنى على أسس سليمة فتُعالج الماضي بكل سلبياته وإيجابياته بذهنية منفتحة تأخذ الإيجابيات فتطوِّرها وتحاول التخفيف من مضاعفات السلبيات.
الشرط الثاني الإنطلاق من وقائع التاريخ والجغرافيا، فلبنان له أطول حدود مع سوريا، شمالاً وشرقاً، وبوابته إلى العالم العربي تمر عبرها براً، ولا إمكانية برية لبوابة ثانية، حتى أن كثيرين من سكان المناطق الحدودية يعملون في سوريا، كما أن اليد العاملة في لبنان تعتمد على العمالة السورية، إذاً التفاهم هو القاعدة والخلاف هو الإستثناء.
الشرط الثالث هو العمل لدى كلٍّ من البلدَين على أن تمر العلاقات بين السفارتين والسفيرين من دون سواهما فلا يجوز بعد فتح السفارتَين أن يبقى يُقال:
(هذا حليف سوريا) و(ذاك خصمٌ لها)، فإما أن تكون العلاقة جيِّدة بين البلدَين، لا بين الأشخاص، وإما أن تكون سيئة.
يجب أن تُمحى من الذاكرة، ولكن بعد المعالجة، مرحلة عنجر والبوريفاج، وهذه مسؤولية يتحملها اللبنانيون بمقدار ما يتحملها السوريون، فالجانب اللبناني وفي كثير من المراحل (إستخدم) النفوذ السوري من أجل أغراض خاصة، فهذا يريد قانوناً على قياسه وذاك يريد منصباً لا يستحقه، وآخر يريد شفاعةً أو دعماً. هذه المرحلة السوداء يجب أن تنتهي مع فتح السفارتين.
* * *
ولعل الملف الأكبر الذي يجب أن يعكف عليه البلدان هو تشذيب الإتفاقات بينهما من البنود التي يشوبها عيب، بدءاً من فصل العلاقات اللبنانية – السورية في وثيقة الوفاق الوطني، مروراً بمعاهدة الأخوّة التنسيق والتعاون بين البلدَين وصولاً الى الإتفاقات الثنائية كإتفاقيات تقاسم المياه وغيرها.
* * *
إن معالجة هذه الشروط بطريقة واعية تجعل من فتح السفارتين تأسيساً لعهد جديد بين البلدَين وليس تحوُّلا شكلياً سرعان ما يعود بالعلاقات إلى ما كانت عليه.