العربية السعودية على موقفها من سوريا!
قال عاهل المملكة العربية السعودية الملك عبدالله بن عبد العزيز اثناء استقباله رئيس الجمهورية ميشال سليمان في جدة قبل ايام: "أسمع اننا مع ناس ضد ناس. نحن مع الحق. وإن شاء الله يأتي يوم يرجع الجميع الى اصلهم". وقال ايضاً: "محبتنا للبنان لا نبتغي منها اي فائدة او مصلحة". وقال ثالثاً: "يجب على الانسان الا يتعاطى مع اخيه بالسلاح". وقال رابعاً واخيراً: "المطلوب احترام لبنان. وعلى الدول كذلك ان تحترم هذا البلد".
وقال وزير خارجية المملكة الامير سعود الفيصل بعد استقباله الرئيس اللبناني في المناسبة نفسها، وهي زيارته الرسمية لبلاده: "ان مشكلات السعودية مع بعض الدول سببها لبنان. اذا سَلِمَ لبنان لا مشكلة للمملكة مع احد".
هذا الكلام موجّه الى اللبنانيين والى الجهات الخارجية المتعاطية اوضاعهم او المتدخلة في شؤونهم، ذلك انها قيلت لرئيس جمهورية لبنان او بالاحرى لـ"الشعوب اللبنانية" في حضوره او بعد انتهاء لقاءاته. لذلك قد يكون من المفيد ايضاح المقصود منه من خلال التدقيق فيه وتمحيصه، وليس من خلال محاولة ايجاد تفسير له من اصحابه او من القريبين منهم نظرا الى تعذر ذلك او ربما استحالته. والايضاح يشير الى ان المملكة العربية السعودية، في ظل الانقسام اللبناني الحاد، السياسي والمذهبي، بين فريق 8 آذار وفريق 14 آذار، لا تقف مع واحد منهما ضد الآخر، لكنها مع الحق. وتعني هذه الجملة القصيرة ان لديها اقتناعا بان الحق موجود عند فريق وليس موجودا عند آخر، اذ لا يمكن ان يكون عند الفريقين معا والا ما كانت تعرضت هذه الدولة العربية الكبرى التي لها الكثير من الايادي البيضاء على لبنان وشعوبه كلها للحملات اللبنانية الموحى بها ربما من خارج شقيق بالقومية، وآخر شقيق بالدين التي اتهمتها بالوقوف الى جانب احد الفريقين المذكورين اعلاه. فضلا عن ان تمني رجوع الجميع في لبنان الى اصلهم يعني ان بعضاً منهم خرج عن اصله او حاد عنه او نسيه وبات يتعاون او يتعامل مع جهات لا تمت الى اصله بصلة اساسية. ويشير الايضاح نفسه ايضاً الى أن لفت النظر ومن خلال تأكيد المملكة العربية السعودية انها لا تبتغي مصلحة او فائدة من محبتها للبنان، ينطوي في شكل او في آخر على اتهام او على الاقل على اشارة الى ان "محبة" الآخرين من غير اللبنانيين، وقد يكون المقصود هنا دولا عربية وغير عربية، ليست منزهة عن الغرض وعن محاولة جني المكاسب والارباح التي قد تكون مادية ولكن التي لا يمنع شيء ان تكون سياسية وسلطوية ونفوذية (من نفوذ).
ويشير الايضاح اياه ثالثاً، ومن خلال تأكيد عدم جواز تعاطي الاخوة بعضهم مع بعض بالسلاح، الى ادانة استعمال مالكي السلاح له في لبنان ضد مواطنيهم. وليس المقصود هنا طبعاً فقط اصحاب السلاح الخفيف وبقايا الميليشيات وربما اصحاب الطموح الى انشاء ميليشيات جديدة، بل المقصود وفي الوقت نفسه اصحاب السلاح الكثير والمتنوع الاحجام الذين لم يحجموا عن توجيهه الى اخوانهم في المواطنية وغيرها في صراعاتهم الداخلية ذات الخلفيات الاقليمية فضلا عن المذهبية الضاربة بعيدا في التاريخ. ويشير الايضاح رابعا ومن خلال الاصرار على "وجوب" احترام لبنان وخصوصاً من "الدول" الاخرى ان هناك عدم احترام له راهنا وربما سابقا. وفي ذلك ما فيه من اتهامات للخارج والداخل المرتبط به في آن واحد. ويشير الايضاح اياه خامساً واخيراً الى ان لبنان هو سبب مشكلات المملكة العربية السعودية مع بعض الدول، والى ان هذه تنتهي اذا سَلِمَ لبنان، وفي ذلك ما فيه من اتهام لدول بعينها عربية واقليمية بالعمل لزعزعة استقرار لبنان ولعدم تمكينه من اعادة بناء نفسه والمحافظة على سلامته.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
يعني وفي اختصار ان العلاقة بين المملكة العربية السعودية وسوريا بشار الاسد لا تزال متردية او على الاقل لم تبدأ سلوك طريق المعالجة، ذلك ان الثانية هي المقصودة وإن من دون تسمية، وهذا اسلوب سعودي معروف، عند حديث العاهل السعودي ثم وزير خارجيته عن أمور عدة يتهمها كثيرون بالمسؤولية عنها او بالوقوف وراءها. ويعني في اختصار ايضاً ان المملكة ومن دون تسمية تحمّل ايران الاسلامية مسؤولية بعض ما يجري في لبنان، ويعني في اختصار ثالثا ان المملكة ومن دون تسمية تحمّل فريقاً لبنانياً او افرقاء محددين مسؤولية عدم "سلامة" لبنان. ويعني في اختصار رابعاً واخيراً، وقد يكون هذا المعنى هو الاهم او الاكثر اهمية من المعاني السابقة، ان لا مشكلة بين المملكة العربية السعودية وسوريا بشار الاسد رغم الاختلافات العميقة بينهما حول سياسات ومواقف اقليمية ودولية إلا لبنان. وان لا مشكلة بينها وبين الجمهورية الاسلامية الايرانية رغم الاخطار التي ترتبها الثانية على الاولى في رأيها الا لبنان. ويفهم من ذلك ان امتناع دمشق وطهران عن التسبب بمشاكل للبنان وفيه اذا لم يكن في امكانهما مساعدته على تجاوز مشكلاته وانقساماتهم او اذا لم تكونا راغبتين في ذلك من شأنه فتح الباب امام بدء معالجة علاقات الاخوة القومية والدينية بين الرياض ودمشق وعلاقات الاخوة الدينية بين الرياض وطهران. ومن شأنه ايضاً تطبيع العلاقات بين هذه العواصم الثلاث، ولا يعني التطبيع ابداً غياب الاختلافات او انتهاءها، بل تعني التعامل معها بحضارية ومن دون تشنج ومع سعي مستمر لحلها وللحؤول دون تطورها نحو الأسوأ.