بعدما أثنى سليمان على سياسة سلامة المالية وأشادت بها الهيئات الاقتصادية
هل يتحمّل السياسيون مسؤولية توفير الأمن والاستقرار؟
اذا كان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قد انتهج سياسة مالية ونقدية ناجحة جنبت لبنان التأثر بالازمة المالية العالمية فاستحق ثناء الرئيس ميشال سليمان وشكر الهيئات الاقتصادية والقطاع المصرفي واشادتهم بهذه السياسة، فهل تقوم الحكومة ومعها اهل السياسة بما عليهم حيال الوطن والمواطن فيجنبون اللبنانيين الاهتزازات الامنية والتوترات السياسية التي تجعل الرساميل الوطنية والاجنبية تهرب من البلاد وتحد من حركة الاستثمار التي ترفع نسبة النمو في الانتاج وتؤمن فرص عمل جديدة في سوق البطالة، خصوصا ان الازمة المالية العالمية سيكون لها آثار سلبية على هذه الحركة، فيسود الاوضاع الاقتصادية الركود والجمود؟
لقد سارع حاكم مصرف لبنان من واشنطن، حيث كان يشارك في الاجتماعات السنوية للبنك وصندوق النقد الدوليين، الى طمأنة لبنان وقطاعه المصرفي في كلمة له في هذه الاجتماعات لفت فيها الى "انهما لم ولن يتأثرا بالازمة المالية العالمية ولن يكون ثمة نتائج سلبية على الاستقرار التسليفي، وهذا الامر جاء نتيجة سلسلة من التدابير اتخذها مصرف لبنان خلال سنوات عديدة كان هدفها تحصين رسملة المصارف وترشيد عملها وابعاد القطاع ككل عن الممارسات التي كادت تطيح النظام المصرفي العالمي مرغمة الحكومات والمصارف المركزية على ضخ اكثر من 3 تريليونات دولار على نحو او آخر لتعويم القطاع المصرفي، ولفت ايضا الى ان مصرف لبنان اعتبر "منذ اكثر من 10 سنوات، ان التعاميم الاحترازية ضرورية لتعزيز القطاع المصرفي، وان حرية السوق واحترام قواعده لا يتناقضان مع وضع اسس تنظيمية وقائية".
وبنتيجة سياسة مصرف لبنان الحكيمة، سجلت الودائع المصرفية في لبنان مؤشرات ايجابية حتى في ظل الازمة المالية العالمية بما يؤكد عدم تأثر لبنان بالآثار السلبية لهذه الازمة. واعتبر صندوق النقد الدولي ان السيولة المتوافرة لدى المصارف اللبنانية والدور القيادي لمصرف لبنان "يشكلان سببين رئيسيين لحماية لبنان من الانزلاق في الازمة المالية العالمية، وان ضعف الصلة بين لبنان وهذه الازمة سيجعل لبنان اكثر صمودا من الاسواق الناشئة الاخرى عموما".
وابدت المجموعة التأسيسية لمانحي لبنان (CORE GROUPE) ارتياحها الى عدم تأثر لبنان بالازمة العالمية ورحبت باعتزام مصرف لبنان المركزي الاستمرار في مقاربته الحذرة في مراقبة الاسواق وتنظيمها.
واعرب "سيتي غروب" عن تفاؤله بالنظرة المستقبلية الى الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان رغم الازمة المالية العالمية، واعتبر ان القطاع المصرفي في لبنان استفاد من التصنيفات المقيدة، فسندات اليوروبوند اللبنانية كانت لاعوام مضت اوراقا غير مرغوب فيها، لان لبنان كان واقعا في دين خطير ولم يكن السياسيون فيه يسمحون بتطبيق الاصلاحات المطلوبة اضافة الى غموض الحالة الاقليمية.
لذلك، على الحكومة وعلى اهل الحكم والسياسة الآن مسؤولية مواجهة ركود اقتصادي قد يكون طويلا حتى ولو توقف الانهيار في الاسواق المالية العالمية، وذلك باتخاذ الاجراءات التي تعيد الثقة للمواطنين الخائفين والمستثمرين المترددين، وتحافظ على الاستقرار السياسي الذي تحقق بعد اتفاق الدوحة لانه السبيل الى تحقيق الاستقرار الامني كي يتوصل لبنان الى تخفيف عبء دينه ويتطلع بتفاؤل الى المستقبل والتغلب على التحديات التي تواجهه. فالتدفقات المالية القوية من اللبنانيين في الخارج، التي رفعت احتياط العملات الاجنبية لدى مصرف لبنان المركزي، تسجل مستويات قياسية وترفع قيمة العملة الوطنية في المعاملات المصرفية. وكما ان الودائع لدى المصارف اللبنانية ارتفعت، فان الازمة العالمية قد تغير هذا الوضع. فلا بد اذاً من تعويض ذلك بالاسراع في اقرار الاصلاحات التي وعد لبنان باقرارها في مقابل حصوله على المساعدات المالية في مؤتمر باريس 3 وان يباشر اجراءات خصخصة شبكتي الهاتف الثابت والخليوي ومؤسسة كهرباء لبنان والعمل على استعادة الاقتصاد اللبناني قدرته التنافسية التي كانت له لئلا تستمر البلاد في الاعتماد المتزايد على التدفقات النقدية فقط، سواء على شكل تحويلات خاصة او عامة، او على رؤوس الاموال وغالبيتها قصير الاجل. فعجز الخزينة وعبء الدين العام اصبح مرهقا ولم يعد في الامكان الاعتماد فقط على استمرار التدفقات النقدية من الخارج بالحجم اللازم ولا الاستمرار في خلق النقد الاضافي لسد العجز الحاصل. فالاقتصاد اللبناني اوجد تفاوتا بين قطاعات تنعم بنسب نمو مرتفعة لانها اخذت باساليب التحديث والعصرنة، وقطاعات تشكو من الانكماش والضمور وغياب الاستثمارات من اجل التطوير. لذلك يرى بعض الخبراء انه لا بد من بذل الجهود في سبيل تنمية القطاعات الانتاجية في الاقتصاد الوطني سعيا وراء المزيد من التوازن الاقتصادي وعدم الاستمرار في الاعتماد المفرط على القطاع المصرفي، بل على الانماء المتوازن، وعلى الاستقرار السياسي والثقة باستقلالية القضاء وسرعته في بت النزاعات، وعلى اقتصاد منتج وليس على اقتصاد ريعي، وهذا يتطلب وضع خطة صمود اقتصادية لمواجهة حالة الركود المرتقبة بكل مخاطرها ومضاعفاتها، واحتمال توقف تحويلات اللبنانيين في الخارج وهي تحويلات تشكل جزءا مهما من صمود الاقتصاد اللبناني.
ونجاح هذه الخطة يتوقف على تحمل المسؤولين والسياسيين مسؤولياتهم الوطنية فلا يقدمون خلافاتهم ومصالحهم الذاتية على مصالح لبنان العليا وذلك باقرار البرنامج الصلاحي لمؤتمر "باريس 3" من اجل اعادة الوضع الاقتصادي في لبنان على المسار الذي تقرر في اطار هذا المؤتمر، والاستمرار في المحافظة على الاستقرار السياسي، وتحريك مبالغ تعهدات المانحين التي لم تنفذ بعد لا سيما من خلال اعادة تحديد وجهتها بحيث تستخدم للدعم المباشر وغير المباشر للموازنة، وخفض حجم الدين، وكذلك الاستمرار في انتهاج الشفافية في ادارة المساعدات من خلال المراقبة وتزويد المانحين بتقارير عن كيفية وسبل انفاق هذه المساعدات، وان يستجيب المتحاورون عند استئناف حوارهم في القصر الجمهوري مطلع الشهر المقبل نداءات سابقة للهيئات الاقتصادية والنقابية وفيها دعوة اليهم الى ان يكونوا "ضمير الناس المتصل بوجدانهم لا المنفصل عن معاناتهم، والى ان يعيدوا الثقة الى بعضهم البعض مستقوين فقط بارادة جامعة لكل اللبنانيين ولا تبقى فئة تشكك بنيات الفئات الاخرى، والعمل من داخل المؤسسات الدستورية، وتوفر وحدة الرؤيا الشاملة في اخذ القرارات والتنفيذ السريع في كل ما يعود الى الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المتعسرة، والتوقف عن استمرار الجدال والدوران حول المسائل المطروحة والتهديدات المتبادلة، والعمل على خلق فرص العمل لمواجهة المنافسة الشرسة ولبناء الثروة الوطنية ولابقاء سمعة لبنان عالية في المحافل الاقليمية والدولية، فلا تظل رهينة مصالح اهل السياسة الآنية والضيقة والمتقلبة مما اوصل البلاد الى حالة الفساد المستشرية، والعمل ايضاً على اقرار خطة اصلاحية اقتصادية اجتماعية شاملة لاطلاق عملية نمو وتطوير وتحديث الاقتصاد الوطني القادر على بناء المستقبل وتأمين رفاهية المواطنين".
ولتفادي تداعيات ازمة الركود الاقتصادي التي سيقبل عليها العالم، عدد الرئيس السنيورة الاجراءات والتدابير المطلوب اتخاذها لتحريك الاقتصاد وحماية لبنان من ازمة الركود هذه، منها: ضبط الانفاق ووقف الحركة الانفلاشية المعتمدة من الحكومة على خلفية انتخابية والعمل على زيادة الايرادات وتحريك القروض الخارجية المجمدة في مجلس النواب وقيمتها لا تقل عن مليار دولار والعمل على زيادة قيمة ضمان الودائع بما يترك شعورا بالارتياح لدى المودعين لا سيما الصغار منهم.
ويأمل الناس في ان تؤدي المصالحات ليس الى مجرد فك اشتباكات او تكون مظهرا من مظاهر اللياقات والمجاملات، بل ان تكون السبيل الى انجاح مؤتمر الحوار عند استئنافه، وان لا تتعارض المصالح الشخصية واهداف هذه المصالحات التي تصب في خدمة الوطن والمواطن.