المجهر الفرنسي وسلوك دمشق ما بعد التبادل الديبلوماسي
ماذا عن المعتقلين ومزارع شبعا واستكمال الـ 1701؟
لم تخفِ فرنسا أن ما اعتبرته قوى الأكثرية في لبنان "اعترافاً" سورياً بلبنان الكيان للمرة الأولى منذ الاستقلال، أي قبل نحو 60 سنة، متمثلاً باصدار مرسوم إقامة سفارة سورية في بيروت، إنما يندرج في إطار »عملية بدأت في باريس«، في إشارة الى القمة الرباعية التي جمعت الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بالرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في 12 تموز الفائت، حيث أعلنت القمة يومها نية البلدين إقامة علاقات ديبلوماسية بينهما، وكان ذلك في ذروة الحديث عن انفتاح فرنسي على سوريا.
لكن السؤال الأساسي المشروع هو هل ستكون هذه الخطوة كافية لمزيد من الانفتاح الفرنسي على النظام في دمشق، أم أن باريس ستعتمد »التقسيط« مع سوريا، أي سياسة خطوة مقابل خطوة توصلاً الى استكمال عملية تثبيت سيادة لبنان واستقلاله؟ ثم هل ستكون السفارة العتيدة غطاء لتدخل سوري في الشؤون اللبنانية الداخلية لكن هذه المرة بحصانة ديبلوماسية؟
ذلك انه ومنذ ما بات يعرف بـ »انفتاح« فرنسا ساركوزي على سوريا، جرى إدراج معظم ما تحقق في لبنان بـ»تسهيل« سوري، ان لجهة انجاز الاستحقاق الرئاسي أو لجهة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وصولاً الى تبادل السفارات، فيما تبقى جملة ملفات عالقة كمصير المفقودين وترسيم الحدود والمساعدة في تطبيق كامل للقرار 1701 ووقف التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية وفي مقدمها الانتخابات النيابية المقبلة.
باريس والمطلوب من دمشق
مصادر في الأكثرية النيابية تأمل في تشدد فرنسي يسبق أي خطوة انفتاحية جديدة على سوريا، قبل ان تقدم القيادة السورية على تنفيذ ما تبقى من خطوات تؤكد احترامها الكامل لسيادة واستقلال لبنان، ومن هذه الخطوات: كشف مصير مئات المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، وترسيم الحدود، وخصوصاً في منطقة مزارع شبعا كمقدمة لمطالبة اسرائيل بالانسحاب منها ووضعها في عهدة الأمم المتحدة قبل إعادتها الى السيادة اللبنانية، وقصر تعاملها على »الدولة« اللبنانية حصراً من دون إخضاع علاقة البلدين الى بازار الابتزاز والزواريب والمجموعات والأشخاص. وتذكّر هذه المصادر بأن لسوريا تاريخاً طويلاً في سياسة الاحتواء واللعب على عامل الوقت وإدارة التناقضات، وهي قد تستفيد، في لحظة التشدد الدولي تجاهها، من انفتاح فرنسي واسع عليها للحصول على مكاسب قبل أن تقدم على خطوات جديدة مطلوبة منها في لبنان.
فبالنسبة لموضوع المفقودين، وبالرغم من الكلام الملتبس الذي أطلقه وزير الخارجية السوري وليد المعلم خلال زيارته لبيروت، وخلاصته ان من انتظر ثلاثين سنة باستطاعته الانتظار أسابيع قليلة، وبالتوازي مع طرح الرئيس سليمان لهذا الموضوع خلال القمة اللبنانية السورية في 13 آب الفائت، فإن سوريا لا تزال تربط مصير هؤلاء بمصير سوريين مفقودين في لبنان، متناسية أن من كان ممسكاً بزمام الأمن في لبنان طوال عقدين من الزمن هو أجهزتها الأمنية والاستخباراتية.. ما يجعل هذا الأمر في دوامة جدلية غير متناهية، بحسب هذه المصادر.
أما مزارع شبعا، تضيف المصادر، فالرفض السوري لترسيم حدودها في ظل الاحتلال الإسرائيلي، لا بل جعله الاحتلال بمنزلة الوصاية الدولية، »يدعم« الرفض الإسرائيلي للانسحاب منها ووضعها في عهدة الأمم المتحدة. الأمر الذي يبقي وضع »المزارع» مفتوحاً على كل الاحتمالات، ويعطي مبررات احتفاظ »حزب الله« بسلاحه لبقاء وظيفته التحريرية. هذا من دون اغفال أن نزع السلاح وترسيم الحدود، لا سيما في مزارع شبعا هي من مندرجات القرار 1701 التي تتماهى في مضمونها مع اتفاق الطائف والقرارين الدوليين 1559 (2004) و1680 (2006).
الـ 1701 رزمة واحدة
الى ذلك، تقول المصادر إن على سوريا وقد وضعت حشودها العسكرية قبالة الحدود مع شمال لبنان في إطار القرار 1701، مساعدة لبنان على تنفيذ كامل مندرجات هذا القرار ووجوب العمل على احترام بنوده للانتقال من مرحلة وقف الأعمال العسكرية الى مرحلة وقف شامل للنار مع إسرائيل، وهو ما لم يحصل حتى الآن. فإسرائيل، متذرعة بعدم اعلان وقف تام لاطلاق النار وبحجة أنها تريد رصد نشاطات »حزب الله« وتزوده الدائم بالسلاح عبر سوريا تواصل انتهاك الأجواء اللبنانية مخالفة منطوق هذا القرار، مقابل، اتخاذ "حزب الله" من هذا الأمر ذريعة لاستكمال تحصين مواقعه وتوسيع ترسانته العسكرية. حالة قد يكون التطبيق الأمين والكامل للـ 1701 كفيلاً بكسرها.
ثم إذا كان هدف الحشود السورية تنفيذ القرار 1701، كما أعلن السوريون، أي الفقرة 14 منه لجهة »مطالبة حكومة لبنان بتأمين حدوده وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول أسلحة أو ما يتصل بها من عتاد الى لبنان من دون موافقتها، والطلب الى قوة الأمم المتحدة، وفق ما أذنت به الفقرة، مساعدة حكومة لبنان لدى طلبها ذلك« فإن في الأمر ما يثير التباساً ويطرح أسئلة. إذ لا يخفى أن القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية لا تملك القدرات البشرية والفنية لتأمين كامل الحدود مع سوريا، وأكثر من ذلك فإن دمشق رفضت يوم صدور الـ 1701 نشر قوات دولية على الحدود معها من جهة لبنان لضبطها، وبذلك أبقت كل الذرائع لبقاء الحدود المشتركة »مفتوحة« لتهريب السلاح والعتاد والمشبوهين.. ثم تأتي اليوم وتنسّب حشدها العسكري شمالاً الى الـ 1701 فيما الحدود شرقاً وصولاً الى الجنوب وتخوم مزارع شبعا مليئة بالمعابر غير الشرعية.
"عنجر" بحصانة ديبلوماسية
الى ذلك، تختم هذه المصادر بأن المطلوب من فرنسا التي تقوم بدور محوري بين لبنان وسوريا أن لا تكتفي بإقامة تمثيل ديبلوماسي بينهما، لأن ذلك يبقى شكلياً اذا لم يكن له مضمون يعزز هذه العلاقات بشكل دائم. فالتمثيل الديبلوماسي المتبادل وإن شكّل اعترافاً بسيادة واستقلال كل دولة، وهو أمر ايجابي جداً، فإنه لا يشكل ذلك إن لم يكن له مضمون ولم تكن الممارسة سليمة وصحيحة، بل يجعل هذه العلاقات معرضة دائماً للانتكاس. وثمة من يتخوف من أن تتحول السفارة السورية في بيروت الى مجموعة قنصليات منتشرة على امتداد المناطق والمدن اللبنانية لمتابعة الشؤون الداخلية والانتخابية ونقل التوجيهات والرسائل. ألم يسبق أن نقل أحد النواب من حلفاء سوريا أن الرئيس الأسد أبلغ وفد حزبه أن الرهان هو على الانتخابات النيابية المقبلة لناحية تبدل المعادلات الداخلية وتغير الأقلية والأكثرية، وألم يقل الأسد إن شمال لبنان بات يشكل قاعدة للإرهاب بما يشكّل خطراً على أمن سوريا؟!
فهل سيدفع الانفتاح الفرنسي سوريا الى تنفيذ الخطوات المذكورة، بما يؤكد »نديّة« علاقتها بلبنان، حقوقاً وواجبات، وبما يساهم في تنفيذ كامل القرار 1701 الذي يؤمن تنفيذه بسط السيادة الكاملة للبنان على أرضه ولا يبقي سلطة غير سلطتها ولا قانوناً غير قانونها؟.