لحظة للمكاسب المتقاطعة
بصرف النظر عن كل الخلفيات المحتملة التي اثارتها الحشود العسكرية السورية على الحدود مع لبنان قبل ولادة التبادل الديبلوماسي بين البلدين كنقلة غير مسبوقة في الاطار الكلاسيكي الذي يحكم العلاقات بين الدول، لا بد من التوقف عند مفارقة تتجاوز مختلف الاجتهادات المتصلة بهذا التطور، إن تقليلا لاهميته وحجمه او تضخيما لهما.
واقع الحال ان هذه النقلة تعكس في ظروف قيامها وتوقيتها ومضمونها اول لحظة تقاطع لبنانية – سورية نادرة منذ عام 2004، تاريخ اضخم انفجار مجلجل اصاب ملف العلاقات الثنائية رسميا وسياسيا وشعبيا ونفسيا منذ استقلال البلدين.
وهو تقاطع يكتسب دلالته العميقة لانه يعمم المكاسب على سائر الاطراف سواء على مستوى "دولة لدولة" او لدولة بازاء الافرقاء السياسيين نظرا الى استحالة فصل التعامل السوري مع لبنان والتعامل اللبناني مع سوريا في معزل عن المعادلة الداخلية تحديدا.
في المقلب السوري كسبت دمشق ترحيبا دوليا لم تلق مثله منذ انخراط الرئيس حافظ الاسد في الحملة العسكرية على الكويت في بداية التسعينات من القرن الماضي لتحريرها من الاحتلال "الصدامي" العراقي، وهو الانخراط الذي مكنه من انتزاع تفويض اميركي آنذاك بالسيطرة على لبنان. ومع ان الترهيب الدولي هذه المرة لا يعني في اي وجه من الوجوه عودة التاريخ الى الوراء لان ظروف التسليم لسوريا بالسيطرة على لبنان قد ولت تحت وطأة اثمان مكلفة جدا لسوريا ولبنان على السواء، فان ذلك لا يقلل اهمية تبديد العزلة الدولية لسوريا الى حد واسع مع استجابتها بتوقيت يلائمها تماما مطلبا اساسيا للمجتمع الدولي بدأ يتخذ مساره الضاغط تصاعديا منذ صدور القرار 1559.
كما ان دمشق احتفظت لنفسها بما تحرص عليه بشدة وهو عدم الغاء المجلس الاعلى السوري – اللبناني كإطار ابتكره الرئيس حافظ الاسد لتأكيد "عقيدته" في "الخصوصية الوحدوية" لسوريا ولبنان، فكان هذا المجلس بديلا من اندماج وحدوي مستحيل وعلاقات ديبلوماسية كلاسيكية تكرس الكيانية الحاسمة بين الدولتين والشعبين. والحفاظ عليه، وإن تحت وطأة اعادة النظر في الاتفاقات، يشكل حساسية رمزية تحرص عليها دمشق.
اما في المقلب اللبناني فتوزعت المكاسب في ثلاثة اتجاهات، ولكن بدرجات متفاوتة لان الميزان هنا لا تنطبق عليه معايير التوازنات العادية بل يغلب عليه المعيار المعنوي الصاعق.
في ضوء ذلك، تتقدم قوى 14 آذار فعلا صفوف الكاسبين ليس لكونها حملت لواء مطلب التبادل الديبلوماسي منذ نشأتها فحسب، بل لان تحقيقه سيشكل رافعة قوية لفريق الغالبية على المستويين الداخلي والخارجي بعدما حقق انجازا على المستوى المبدئي بحجم ما يتصل باقامة اطار سليم وطبيعي لانتظام العلاقة اللبنانية – السورية، وهو الطرف الخصم لسوريا اقله على خلفية سنوات الزلزال منذ التمديد للرئيس اميل لحود. وفي هذا المكسب المعنوي والمبدئي لن يضير قوى 14 آذار ابدا ان تفيد من حقيقة كونها تبنت مطلبا تاريخيا لبكركي التي كانت سباقة في هذه المسألة المبدئية منذ البيان الاول السنوي للمطارنة الموارنة عام 2000، وهو البيان الذي ارسى مفاهيم النهج السيادي بمظلة كنسية حتى الآن. ويحقق عهد الرئيس ميشال سليمان اختراقه الاول على جبهة المكاسب لكونه يدير في مطلع عهده وبتوازن "بالغ الدقّة"، عملية قيصرية لاعادة تطبيع العلاقات مع سوريا على وقع توازنات داخلية وعربية واقليمية صعبة، فتأتي ولادة العلاقات الديبلوماسية انجازا يقيّد لعهده من دون ان يبلغ حد التغيير الجذري بدليل ابقاء الاطار المزدوج للعلاقات بين التمثيل الديبلوماسي والمجلس الاعلى.
اما قوى 8 آذار والمعارضة التي اظهرت فتورا لافتا حيال هذا التطور، فلم تخرج بدورها خاوية المكاسب من هذا "المعجن"، ولو ان بعضها يغلّب على الارجح "مبدأ استمرار التعامل "العاطفي" مع سوريا. ذلك ان هذه القوى تظللت، بلسان الرئيس نبيه بري، بواقع ان الشرط الذي املى تحقيق هذه الخطوة هو وجود "حكومة الوحدة الوطنية"، بما يعني أن لا تنفيذ لقرارات الحوار او لمعالجة الملف اللبناني – السوري الا في ظل هذه الحكومة. ومع ان العلاقات الديبلوماسية مع سوريا ليست من الاولويات التي رفعها فريق 8 آذار والمعارضة في المرحلة السابقة، فان المفارقة الطريفة في ما انتهت اليه هذه الخطوة هي ان احدا من حلفاء سوريا لم يعترض عليها هذه المرة حتى بدوافع "عقائدية".