متغيرات اقليمية فرضت تسريع خطوة التبادل الدبلوماسي
دمشق تستجيب للضغوط الدولية للخروج من العزلة
شكّل موضوع الإقرار الرسمي السوري بإصدار مرسوم اقامة العلاقات الدبلوماسية، وتبادل السفراء بين لبنان وسوريا، الحدث الأبرز في لبنان، على ما عداه من ملفات وقضايا سياسية أخرى، كون هذا الموضوع كان مدار خلاف أساسي وتاريخي بين البلدين، منذ استقلال لبنان قبل 65 عاماً، على الرغم من محاولة الجانب السوري، ربطه بشروط جانبية كالإبقاء على المجلس الأعلى اللبناني السوري، الذي يمثل إحدى المؤشرات السيئة لنظام الوصاية المشؤوم على لبنان، وليكون مؤسسة رديفة، يتم من خلالها ممارسة سياسة التدخل المستتر في الشؤون الداخلية اللبنانية والافتئات على دور ومهمات وصلاحيات المؤسسات الدبلوماسية، خلافاً لأسس التعاطي التي تحكم علاقات أي دولتين مستقلتين، بعضهما البعض·
ومع أن خطوة اقامة علاقات دبلوماسية، كانت مرتقبة في نظر الكثيرين ومتوقعة في حسابات دول عديدة كفرنسا مثلاً، استناداً إلى زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى دمشق وإصراره على الرئيس السوري لتسريع تنفيذها، كبادرة لتسهيل اعادة الانفتاح الفرنسي والغربي عموماً على سوريا بعد القطيعة المتواصلة منذ اتهام بعض رموز النظام السوري بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل حوالى ثلاث سنوات ونصف السنة، إلا أن معظم اللبنانيين، كان يتوقع أن يماطل النظام السوري في وضع هذه الخطوة موضع التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، كعادته منذ استقلال لبنان، لأنه يعتبر ان تكريسه اقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل رسمي، هو بمثابة انهاء للحلم السوري التاريخي بإعادة ضمه إلى سوريا بشكل نهائي، باعتباره يشكل جزءاً منها، وتم سلخه عنها سلخاً، بموجب الاتفاقيات التي حصلت بين الدول الغربية التي ربحت الحرب العالمية الثانية وقسّمت المنطقة العربية على أساسها، ووضع حد لكل محاولات ومخططات الساسة السوريين إلى أي جهة انتموا بالسيطرة على لبنان أو الهيمنة عليه، كما حدث من خلال دخول القوات السورية المبرمج طوال السنوات الثلاثين الماضية·
وكان يمكن لهذه الخطوة التاريخية ان تتحقق منذ زمن بعيد، لولا وجود الأطماع السورية التقليدية، بإعادة ضم لبنان إلى سوريا، التي أبقت التوتر قائماً في علاقات البلدين، وأضرّت كثيراً بمصالح واستقرار الشعبين السوري واللبناني معاً، وأدت إلى تردي هذه العلاقات نحو الأسوأ كما حصل في المرحلة الماضية·
فماذا حدث حتى يتم تسريع هذه الخطوة، وما هو المرتجى منها في مستقبل العلاقات بين البلدين؟·
لا يستبعد المراقبون السياسيون ان يكون وراء إقدام الرئيس السوري بشار الأسد على وضع خطوة إقامة العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا، استشعاره بتغيرات إقليمية مرتقبة، وبوضع اقليمي يختلف كلياً عن الأوضاع التي سادت المنطقة في المرحلة الماضية، لا سيما ما يتعلق منها بوجود استراتيجية أميركية جديدة، قد تبصر النور مع تولي الإدارة الأميركية الجديدة مهماتها بعد انتخاب رئيس الولايات المتحدة الأميركية المقبل بعد أسابيع عديدة، يتم من خلالها، تحريك مسار السلام السوري – الإسرائيلي بوتيرة متسارعة نحو تحقيق اتفاقية سلام بين البلدين، مع ما يترتب على هذا الوضع المرتقب من التزامات متوجبة على سوريا، وبالتالي لا يمكن الاستمرار في التعاطي مع لبنان بالشكل الذي مارسه النظام السوري من قبل، وتجاهل كل الوعود التي قطعها الرئيس السوري للفرنسيين والعرب وغيرهم، لاقامة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا ولبنان وحل ما تبقى من مسائل وقضايا اخرى معلّقة بين البلدين وتتعلق باحترام سيادة واستقلال لبنان·
وفي اعتقاد هؤلاء المراقبين، ان الرئيس السوري لم يكن ليقدم على هذه الخطوة الحساسة جداً والتاريخية، والتي تشكل مقتلاً في الأساس للنظام السوري، لو لم يستشعر بضغوط اقليمية ودولية قوية، وبمتغيرات مرتقبة، قد ترتد عليه سلباً إذا تجاهلها، كعادته، لأنه بهذه الخطوة سجّل على نفسه سابقة تاريخية، لم يجرؤ أي مسؤول سوري، لأي طبقة، أو جهة سياسة كانت، على اتخاذها، مهما علا شأنه أو بلغت قوته ونفوذه الشعبي، كما كانت حال والده الرئيس حافظ الأسد·
فعادة كان التطرق إلى لبنان كدولة مستقلة، مسألة لا يمكن المزاح فيها مع أي نظام أو مسؤول سوري كان، بل كانت من المحرمات، التي يتجنب المسؤولون اللبنانيون على اختلافهم، اثارتها ولو مواربة، لإبقاء العلاقات على وتيرة هادئة وليست مضطربة مع دمشق، كحالتها في معظم الأحيان· وكان كل من يثير مسألة اقامة السفارات وتحديد العلاقات بين البلدين من السياسيين اللبنانيين، يُرمى بالحُرم ويتهم بالخيانة وضرب الأمة العربية لصالح الاستعمار واسرائيل كالعادة، بل أكثر من ذلك، يكون نصيبه القتل والاغتيال، كما حدث ذلك مع أكثر من رمز استقلالي بارز على مر العلاقات بين لبنان وسوريا·
ولذلك، فان مسألة الإقرار الرسمي بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا، تبقى خطوة مهمة لمصلحة لبنان وفي تحديد العلاقة بين البلدين ووضع أطر جديدة في التعاطي بينهما، مهما كانت التحفظات والشكوك المتبقية، استناداً إلى ما كان يحصل سابقاً·