محطـة أم منعطــف؟
بالتأكيد أصبح يوم 15 تشرين الاول من سنة 2008 "محطة تاريخية" في العلاقات الاخوية لكن الملتبسة دائماً ومنذ عقود بين سوريا ولبنان. وهو ما يستدعي الامل بأن يكون هذا اليوم "منعطفاً تاريخياً" يؤسس لبداية حركة تصحيحية في العلاقات التي قال الرئيس بشار الاسد لدى زيارته فرنسا قبل اعوام انه يريدها ان تكون علاقات نموذجية تحتذى بين الدول العربية.
البيان المشترك الذي وقعه وزيرا الخارجية في البلدين يستحق الترحيب وربما التهليل لأنه يضع حجر الاساس لبداية جديدة وضرورية لمصلحة سوريا ولبنان والعرب ايضاً. بداية تتجاوز ستة عقود ونيّف من الاحساس السوري بأن "اتفاق سايكس – بيكو مؤامرة" اقتطعت لبنان عن سوريا. وبداية تتجاوز كل الجهود التي بذلت والشعارات التي طرحت لاقناع من لم يقتنع في لبنان والعالم بأن "العلاقات المميزة" اهم من التبادل الديبلوماسي وأرقى!
***
ولأن هذا اليوم يكتسب هذه الاهمية، وقد نقلت وكالة "سانا" عن الاسد تأكيده "رغبة سوريا الدائمة في اقامة افضل العلاقات مع لبنان الشقيق… وتذليل كل العقبات التي تعترض مسيرة تطوّر العلاقات التاريخية بين البلدين"، لم يكن من الضروري القاء حجر ثقيل في "بركة" المياه اللبنانية – السورية الآخذة في "الرواق"، ولم يكن متوقعاً من ديبلوماسي – سياسي عريق مخضرم ان يقوم بالقاء هذا الحجر.
ففي المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الوزيران وليد المعلم وفوزي صلوخ قال المعلم إن السفارة السورية في لبنان ستحترم الانظمة والقوانين اللبنانية… "ولكن اذا كان هناك خرق من سفارات اخرى وتجاوز للعرف الديبلوماسي فإنه لا مندوبون سامون في لبنان، هذا مسموح له وذاك غير مسموح له… اذا طبق النظام على الجميع سيكون السفير السوري في مقدم من يلتزم هذا النظام".
عظيم، ولكن من قال إن هناك خرقاً؟ ومن يحدد عناصر ومواصفات هذا الخرق؟ ثم من قال ان هناك مندوبين سامين في لبنان؟
ثم كيف يظن الوزير المعلم ان وزارة الخارجية أو اي جهة في الدولة اللبنانية تستصدر أذونات بالمندوبية السامية وتوزٍّعها كما تشاء؟ تسمح لهذا ولا تسمح لذاك. واذا كان هناك سفير ينشط اكثر من غيره من السفراء في التحرك واجراء اتصالات والادلاء بالتصريحات، فهل هذا يعني انه يحوز المندوبية السامية؟
قطعاً لا. وأي كلام لديبلوماسي يتجاوز الاعراف والقوانين تستطيع الدولة اللبنانية ان تنبه وتحذر وتضع حداً له.
طبعاً ليس علينا نحن ان نقول هذا الكلام. ربما كان على الوزير صلوخ الكثير اللياقة ان يعمد الى الرد والتوضيح بصوته الهادئ فيؤكد ان الخارجية اللبنانية لا تقطع "بونات" المندوبية السامية ولا تسمح بها اصلاً.
***
في اي حال، يشكل بيان الاعلان عن التبادل الديبلوماسي خطوة تاريخية في رحلة تصحيح طويلة يفترض ان تغيّر في المشاعر والافتراضات، وحتى في بعض بنود الاتفاقات المعقودة بين البلدين حيث يتبين ان اتفاق الاخوة والتعاون الموقع عام 1991 يتضمن "بنوداً خطيرة" وفق ما يقول الوزير ابرهيم نجار، ومنها مثلاً جواز تنفيذ القرارات التي يتخذها رئيس البلد من دون الرجوع الى احد، أي الحكومة ومجلس النواب.
بعد 60 عاماً يجب ان يقبل الاخ الاكبر بأن الاخ الاصغر قد كبر ويجب ان يصدق الاصغر ذلك.