صورتان
صورتان لافتتان خرجتا من طهران في اليومين الماضيين وعلقتا في ذهني يا إخوان، الأولى لجنرال الرابية في حضن الرئيس أحمدي نجاد، والثانية لصف من الدراجات النارية أمام محطة محروقات تنتظر دورها لتعبئة خزاناتها.
الجنرال ذهب الى هناك، لتأكيد انتقال مرجعية مسيحيي الشرق من الفاتيكان الى العاصمة الايرانية باعتبارها ضمانة لهم من الموصل الى القدس وصولاً الى لبنان، وباعتبار انه هو الوصي والولي والفقيه والمرجع الأول والأساس الذي يقول ويقرر ما يجب أن يكون، خصوصاً في الشؤون الاستراتيجية والمصيرية، وهو الذي يعرف أكثر من غيره، ومن دون الاستعانة لا بصهره سند ظهره، ولا بأحد عباقرة كتلته، من الذين يمكن رفع دعوى ضدهم بتهمة انتحال صفة مدّعي ثقافة… وحده الجنرال يعرف ويقول ويقرر ويحدد، وقد حدد ان على المسيحيين المشرقيين فك كل صلة لهم بالغرب دينياً وسياسياً وثقافياً وتربوياً، والعودة الى الأصول في مرتعها الأول إيران. هكذا يستقيم مستقبلهم ومستقبل المنطقة معهم…
وعلى أي حال، فإن الجنرال يا إخوان، كما تذكرون، كان حدد قبيل مغادرته الى طهران هدفين للزيارة، وان كان طرحهما من باب الكيد والنكاية: المال والسلاح. أما فتوحاته الفكرية الاستراتيجية فقد جاءته بوحيها بعد لقاءاته هناك وخصوصاً مع الرئيس نجاد.
طبعاً يحق لجنرال الوحي والوهم ان يذهب أينما يشاء، والضجة التي أثيرت حول زيارته لا تبدو في مكانها الصحيح، بل جُلّها نتج، كما قال، العبقري إياه، عضو كتلته، عن عامل الغيرة منه (قالها حرفياً قسماً بالله). ويحق لإيران من جهتها أن ترحب بضيفها خصوصاً وان رئيسها هو أحمدي نجاد. ولا أعرف، لماذا عندما شاهدت صورتهما معاً، افتقدت العقيد معمر القذافي. يعني تصوروا حجم الحبور والبهجة والسرور الذي كان سيغمرنا في حالة اللقاء الثلاثي والتصريحات التي ستليه… فقط تخيلوا ذلك. فرصة وضاعت.
المهم يا إخوان، ان صف الدراجات النارية أمام محطة المحروقات في طهران، ذكّرني بأن إيران وهي مخزن رابع احتياطي نفطي على وجه الأرض، تعاني أزمة في توزيع المحروقات، وان التضخم ينخر اقتصادها والغلاء يضرب فيها أكثر من أي مكان آخر، وان الحالة الاجتماعية لملايين الايرانيين لا تَسرّ الخاطر (في أضعف الأحوال)، وان بعض كبارها يحمِّلون حكومة نجاد المسؤولية ويستغربون كيف ان موازنة وضعت لسعر برميل نفط يقارب الثلاثين دولاراً، لا تكفي لمعالجة أزمات الناس مع ان سعر البرميل قارب المئة وخمسين دولاراً… مسألة داخلية لا علاقة لنا بها، ولا يجوز التعليق عليها من قبلنا، لكن المشكلة ان الجنرال هو الذي أضاء المصباح عندما قال انه ذاهب الى هناك للحصول على المال.
لا أعرف (مرة جديدة) لماذا شعرت بالخجل، لكنني أعرف يقيناً، ان الجنرال لم يشعر بشيء. قال فقط، ان الدنيا تمطر مع ان الطقس في طهران هذه الأيام ربيعي وصاف بامتياز. وعفواً.