تبادل التمثيل الديبلوماسي خطوة وحيدة أم تليها خطوات؟
سوريا تنتظر نتائج الانتخابات النيابية
لو ان تبادل التمثيل الديبلوماسي تم بين لبنان وسوريا في الاربعينات لكانت هذه الخطوة طبيعية وعادية، اما وانها تمت بعد مرور 65 عاما تقريبا على حصول كل من البلدين على استقلاله، فان الخطوة تعتبر تاريخية ومهمة لأنها ازالت شكوك لبنان في مطامع سوريا فيه واعتباره دولة تابعة وغير مستقلة بالقول ان الشعبين اللبناني والسوري هما شعب واحد في دولتين. ثم تأتي الممارسة لتثبت انهما في دولة واحدة. وعندما كان زعماء مسيحيون يطالبون باقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين، كان زعماء آخرون يخونونهم ويتهمونهم بتعكير العلاقات مع الاخوة السوريين؟…
اما وقد تقرر اقامة تمثيل ديبلوماسي بين لبنان وسوريا بعد مرور 65 عاما على استقلال كل منهما، ووصف الجميع هذه الخطوة بأنها تاريخية ومهمة، فان الاسئلة التي تطرح نفسها هي الآتية:
اولاً: متى تتم تسمية السفيرين اللبناني والسوري وهل يتم التوصل بسهولة الى اتفاق على تسميتهما لا سيما من الجانب اللبناني، لأن من تسميه سوريا سفيرا لها في لبنان لا اعتراض عليه اقله في العلن، في حين ان لبنان لا يستطيع تسمية سفير له في سوريا اذا لم يحظ بموافقتها المسبقة؟
ثانياً: هل يمكن القول ان مجرد اقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين يطوي صفحة ويفتح صفحة جديدة لعلاقات جيدة، ام ان هذا التمثيل لا يشكل سوى عملاً قانونيا ورمزياً، وان حسن العلاقات يتوقف على حسن الممارسة والاداء بين حكومتي البلدين، فالسفارة السورية في لبنان قد تتحول بنشاطها الذي يتجاوز الحدود الى عنجر آخر جديد مع فروع لها في اكثر من منطقة ومع فارق ان هذا النشاط يكون له حصانة تحميه ولا يمكن وصفه بالتدخل في شؤون لبنان الداخلية؟
ثالثاً: هل تبادل التمثيل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا هو خطوة على الطريق وهو البداية في اطار اعادة العلاقات الى طبيعتها وجعلها مميزة وممتازة ام هي النهاية ولا خطوة بعدها في المدى المنظور لجهة ترسيم الحدود بين البلدين لا سيما في مزارع شبعا وبت ملف المفقودين المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وازالة الوجود الفلسطيني المسلح خارج المخيمات الفلسطينية تمهيدا لضبطه داخل المخيمات، وباعتبار ان هذا الوجود داخل الاراضي اللبنانية خاضع للسلطة السورية؟
رابعاً: هل تغني اقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين عن وجود المجلس اللبناني – السوري الاعلى ام يقوم خلاف بين اللبنانيين على استمرار بقاء هذا المجلس وعدم استمراره، ففئة منهم لا ترى حاجة الى بقائه مع قيام تمثيل ديبلوماسي لئلا يشكل ازدواجية في التعاطي بين البلدين، او يشكل نوعا من "الكونفيديرالية"، كما كانت تشكل المصالح المشتركة زمن الانتداب الفرنسي، وفئة اخرى لا ترى ضررا في بقاء المجلس الاعلى اللبناني – السوري الى جانب السفارة السورية في لبنان والسفارة اللبنانية في سوريا، وان في الامكان تحديد مهمات لكل منهما منعا لازدواجية العمل، ويصبح هذا الخلاف بين اللبنانيين حول ذلك شبيه بالخلاف الذي دام عقودا من الزمن على اقامة تمثيل ديبلوماسي بين البلدين؟
ثمة من يقول ان سوريا لن تعطي لبنان في الوقت الحاضر اكثر من تبادل التمثيل الديبلوماسي الذي تعهدت باتخاذ قرار في شأنه خلال القمة السورية – الفرنسية ثم خلال القمة اللبنانية – السورية، ولم يعد هذا القرار يثير الحساسيات لا داخل لبنان ولا داخل سوريا وبات الطرفان الموالي والمعارض مع اقامة هذا التمثيل، فهو بالنسبة الى فئة لبنانية تطالب به من زمن بعيد يشكل اعترافا نهائيا بكيان لبنان واستقلاله وسيادته وان في الاطار القانوني، فيما يشكل بالنسبة الى فئة اخرى كانت تعارض ذلك، وسيلة شرعية تتيح التدخل في شؤون لبنان الداخلية وحماية لهذا التدخل. عدا ان التمثيل الديبلوماسي ما هو الا ميزان لقياس حرارة العلاقات بين الدول.
اما بالنسبة الى المطالب الاخرى التي تجعل العلاقات اللبنانية – السورية مميزة وممتازة فهي: إلغاء المجلس الاعلى اللبناني – السوري او تعديل بعض صلاحياته ومهماته، واعادة النظر في بعض الاتفاقات المعقودة بين الدولتين وهي تفوق المئة لا سيما الامنية والعسكرية منها والاكتفاء باقامة تنسيق بين الاجهزة في البلدين وعقد اجتماعات دورية في ما بينها واستثنائية عند الضرورة، وبت ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وترسيم الحدود لا سيما في مزارع شبعا، وازالة الوجود الفلسطيني المسلح خارج المخيمات، هذه المطالب وغيرها قد لا تبت الا بعد الانتخابات النيابية المقبلة، فاذا فاز فيها مرشحو قوى 8 آذار ومن بينهم حلفاء سوريا بأكثرية المقاعد في مجلس النواب الجديد فان سوريا تصبح بين خيارين تختار ما تراه في مصلحتها ومصلحة حلفائها الذين قد ينتقل اليهم الحكم في لبنان، فاذا رأت ان بت هذه المطالب يخدم مصلحة حلفائها ويعزز وضعهم في السلطة ويشعر دول الغرب ودولا عربية مناهضة لوصول هؤلاء الحلفاء الى الحكم في لبنان، انهم هم القادرون على تنفيذ ما لا قدرة لقوى 14 آذار على تنفيذه، فان سوريا تبيع استجابة هذه المطالب لهذه الدول كي تجعلها تطمئن وتقبل بالتعاون مع حلفاء سوريا، ولا تجعلهم يواجهون العزلة.
اما اذا فاز مرشحو قوى 14 آذار بأكثرية المقاعد النيابية في مجلس النواب الجديد، فان سوريا تجعل من المطالب الباقية التي يشكل استجابتها تعزيزا للعلاقات بين البلدين، ورقة ضغط وابتزاز لحكم هذه الاكثرية ولمن يدعمها من دول غربية وعربية، ويصبح بت هذه المطالب رهناً بتصرف سوريا وحلفائها في لبنان.
لذلك، فان تبادل التمثيل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا لا يكفي وحده لتظهير صورة العلاقات بين البلدين بل هو خطوة على طريق قد تكون قصيرة او طويلة، وان السلوك السوري حيال لبنان والممارسة السورية في لبنان، ونتائج الانتخابات النيابية المقبلة، يعطي صورة واضحة عن مستقبل هذه العلاقات وبالتالي عن مستقبل لبنان.