#adsense

لماذا لا يتفق الزعماء المسيحيون على اعتماد الحياد الإيجابي ؟

حجم الخط

ما دام اللبنانيون لا يريدون بلدهم ساحة بل دولة
لماذا لا يتفق الزعماء المسيحيون على اعتماد الحياد الإيجابي ؟

يرى مرجع ديني ان المصالحات اذا لم تبن على مبادئ وثوابت وطنية، فانها لا تحقق سوى فترة استراحة. فيما المطلوب التأسيس لفترة راحة تكون طويلة الاجل، وهذه الفترة لا يمكن تحقيقها الا بالتوصل الى اتفاق على ان لا يظل لبنان ساحة مفتوحة للصراعات المحلية والاقليمية والدولية بل ان تقوم فيه الدولة القوية القادرة المنفتحة في علاقاتها على الجميع من دون اي تمييز على اساس المعاملة بالمثل.

ويضيف المرجع نفسه انه لا يمكن اخراج لبنان من ان يكون ساحة للصراعات، الا اذا اتفق اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم على اي لبنان يريدون: هل يريدونه دولة محايدة الا حيال اسرائيل إلى أن يتحقق السلام معها فتصبح عندئذ دولة من المنطقة وليس دولة في المنطقة كما هي الان، محاطة باعداء لانها اغتصبت حقوق الفلسطينيين واحتلت ارضهم وأجزاء من اراضٍ عربية اخرى. ولكي يكون لبنان دولة محايدة ينبغي ان لا تكون مع الشرق ولا مع الغرب، لا مع هذا المحور العربي ولا مع ذاك ولا مع هذا المحور الدولي ولا مع ذاك، لا مع العرب ولا مع العجم بل مع كل من هو مع لبنان المحايد السيد الحر المستقل؟ هل يريدونه ان يكون على الصورة التي رسمها له الرئيس ميشال سليمان في كلمته امام الجمعية العمومية للامم المتحدة، اي مقرا دوليا نموذجيا لحوار الحضارات والثقافات والاديان بموافقة الامم المتحدة فيصبح عندئذ جامعة الشرق ومستشفى الشرق وفندق الشرق ومصرف الشرق واعلام الشرق ويشعر كل انسان فيه الى اي دين انتمى والى اي طائفة ولون او جنس او معتقد او مضطهد، انه في بيته، وانه يمارس حريته الكيانية على اكمل وجه في السر والعلن وباحترام متبادل مع الآخر يتحسّس همومه وهواجسه ومشاعره ويشاركه الحياة بكرامة وسماح، بحيث يؤمن له هذا الحماية والحصانة، التعاطف والدعم، مما يبعد العنف ويوفر الاستقرار والسلام من التنوع ويشيع المحبة والالفة ويعزز الثقة بقدرة الوطن ويدفع انسانه الى الابداع والابتكار؟ هل يريدونه دولة مدنية كما اعلنها الرئيس حسين الحسيني بوثيقة اطلقها عبر "المركز المدني للمبادرة الوطنية" في مؤتمر صحافي ردا على تساؤله: الى اين هذا الوطن؟ ورأى ان الصيغة المطلوبة للبنان، انما هي صيغة الدولة المدنية التي تقوم على اساس الاعتراف بتعدد المصالح وضرورة التنسيق والانسجام في ما بينها، وهذه المصالح هي مصالح الدولة والشعب والجماعات والافراد، في كل مستوى من المستويات، من الاحوال الشخصية الى سيادة الدولة واستقلالها مرورا بالتمثيل السياسي والسياسات الاجتماعية والثقافية والدفاعية، وان يكون البرلمان من مجلسين واحد يكون فيه تمثيل اللبنانيين بما هم في جماعات، وآخر يكون فيه تمثيلهم بما هم مواطنون، اي شعب واحد في دولة واحدة تحمي الفرد، لا مؤسسات مذهبية تسعى الى الاستحواذ على ولائه؟ هل يريدونه دولة فيديرالية للحؤول دون تقسيمها، ام يريدونه دولة منقسمة الى لبنانين ودولتين ونظامين وجيشين تعيش فيه كل مجموعة بحسب خصوصيتها ولو الى حد الانكماش والتقوقع؟ ام يريدونه دولة لامركزية واسعة بديلا من "الفيديرالية" التي قد لا تناسب لبنان بتركيبته الطائفية الدقيقة وتوزعه الديموغرافي. وهذه اللامركزية تقضي بتوسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين وتمثل جميع ادارات الدولة في المناطق الادارية على اعلى مستوى ممكن، تسهيلا لخدمة المواطنين وتلبية لحاجاتهم محليا كما تقضي بانتخاب مجلس لكل قضاء يرئسه القائمقام تأمينا للمشاركة المحلية، واعتماد خطة انمائية شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصاديا واجتماعيا وتعزيز موارد البلديات والاتحادات البلدية بالامكانات المالية اللازمة.

وتساءل المرجع نفسه: هل في امكان الزعماء المسيحيين ان يتوحدوا حول لبنان الذي يريدون كما توحدوا عام 1943 تحت شعار "لاشرق ولا غرب" تحصينا لاستقلال لبنان الوليد وللمحافظة عليه، وكما توحدوا في اطار حلف ثلاثي" ضم كميل شمعون وريمون اده وبيار الجميل لمواجهة المد الناصري"، وكما توحدوا ايضا في الجبهة اللبنانية لمواجهة خطر التسلح الفلسطيني والوقوف في وجه ما شاع من احتمال ان يكون لبنان هو الوطن البديل للفلسطينيين.

ان اعتماد مشروع الحياد الايجابي يبدو الاقرب للتلاقي حوله. فالرئيس امين الجميل دعا في كلمة له الى "مصالحة مسيحية تحيي دور المسيحيين في لبنان" وجدد الدعوة الى الحياد الايجابي رافضا" ان يكون لبنان في اي من المحاور العربية التي تجعله ساحة للصراع". ودعا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في مقال جميع الاطراف السياسية "الى القبول بمبدأ الحياد الايجابي، اي الا يكون لبنان ساحة بل دولة مثل سائر دول العالم لا يتم استخدامه لتصفية اية صراعات اقليمية او دولية على ارضه" ويؤيد رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع ايضا الحياد الايجابي كي "لا يقحم اي طرف لبنان في سياسة المحاور التي تعرضه لمخاطر كبرى"، اذا بقي لبنان ساحة مفتوحة للصراعات. ولدى رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون مشروع مكتوب كما للرئيس امين الجميل في موضوع حياد لبنان الايجابي. كما ان حزب الكتلة الوطنية، يدعو الى هذا الحياد من سنوات. فهل يعقل ان يكون العماد ميشال عون ضد هذا الحياد ويفضل عليه سياسة المحاور التي جرّت على لبنان الويلات والكوارث، وجعلت الرئيس الجميل يدعو الى العودة الى ميثاق الـ 43 حيث "لا شرق ولا غرب على حساب لبنان" والكف عن "لعب لعبة الكبار لانها اكبر من قدرتنا ولا نريدهم بالتالي ان يلعبوا على ساحتنا".

الى ذلك، المطلوب عقد لقاءات بين الزعماء المسيحيين اولا للاتفاق على اي لبنان يريدون، حتى اذا ما تم التوصل الى هذا الاتفاق يصبح في استطاعتهم ان يدعوا الشريك المسلم الى اتخاذ موقف من مشروع تحييد لبنان او من اي مشروع آخر يتم التوصل الى اتفاق حوله، اذ انه لم يعد مقبولا ولا معقولا ان تكون فئة مع هذا المحور العربي وتكون فئة مع محور آخر او تكون فئة مع محور اقليمي ودولي وفئة مع محور آخر فيتحول لبنان ساحة صراع يكون هو فيها مغلوبا ايا يكن الغالب. وعلى مسيحيي قوى 8 و14 آذار ان يعملوا على اقناع المسلمين في هذه القوى بالوقوف مع المشروع الذي يكونون قد اتفقوا عليه، فلا تعود معركة الانتخابات النيابية المقبلة تُخاض عندئذ بين خطين سياسيين بل مع خط واحد، هو خط الحياد الايجابي للبنان، وهو الخط الذي يوفر الامن والاستقرار الثابتين والدائمين ويقيم الدولة القوية القادرة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل