تلميذ…
سبحان الله يا إخوان. كلما نسينا أو تناسينا جاء ليذكّرنا، وكلما غضضنا جاء ليقف قبالة طرفِنا، وكلما تغاضينا جاء مستأنفاً استفزازنا، وكلما تجاهلنا جاء ممتطياً وقاحة فجّة ليقول إنه موجود… واحدة من نكات الحياة السياسية اللبنانية حصلت بالأمس، عندما وقف أحد الصبية ليلقي »محاضرة« عن زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لبيروت، وفيها أنه جاء »لدعم قوى 14 آذار ورفع معنوياتها بعد الخلل والارتباك في صفوفها، ما دفع ببعض أركانها للهرولة الى دمشق« سائلاً، لا فض فوه، عن »الحرية والسيادة والاستقلال».
…ومع أن واحدة من أحلى حِكَم السلف الصالح تقول انه »إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا«، فإن الأمر بدا أشمل من قدرة ذلك الولد على الاستيعاب، ولذلك جاء متنطحاً ليقول كلاماً اكبر منه، وليكرر مصطلحات مخزية تعلمها في مدرسة، كان عريف الاستخبارات السورية يقرر فيها كل شيء، بما فيه تعليمه وتلقينه مصطلحات الدس والشتم والتخريص وادعاء الفهم وطلاقة اللسان (؟!)… ولله في خلقه شؤون.
ولأنه سليل تلك الشخصية التي امتهنت الكذب وكتابة التقارير المخابراتية الرخيصة، وشرشحت المنصب والكرسي، وحرّضت على الأطهار والأشراف، وادعت ذكاءً هي منه براء بقدر براءة الذئب من دم يوسف، واختصت بالتآمر الكيدي التافه مثل أفكارها وآرائها، وبالتآمر الكيدي المدمّر مثل أدائها وأفعالها وسياساتها، وادّعت ما ليس فيها من خصال، وتحدثت بلسان ناقص عن محاربة الفساد فإذ بها تنخر البلد من أوله الى آخره بفساد منطقها وروحها وسيرتها، وتفعل كل شيء لتدمر شخصيته وبنيانه وكيانه ومؤسساته ورجاله وكباره، من أجل إرضاء أوصيائها في الشقيقة خدمة لأنانيتها… لأن ذلك الولد تلميذ في تلك المدرسة التي تشبه الجحور، جاء ليقول ما قاله، وكأنه في الأول والأساس يعرف معاني السيادة والحرية والاستقلال، أو كأنه يظن أن الكلام الكبير قد يغطي العقول الصغيرة والنفوس الأصغر، أو ان الرطن بالمصطلحات الفخمة قد يغطي على الضحالة ويرفع من شأن الوضاعة وقلة الشئمة، أو أن التطاول على الناس قد يحجز له مقعداً في صفوف سُيّاد الوطن وأربابه وبُناته.
لم يعلّمه أسياده يا إخوان، أن تلك المدرسة أقفلت أبوابها بعد أن صدُأ حديدها واهترأ بنيانها وتخلخلت مداميكها ورحل »المعلمون« فيها الى غير رجعة. ولم يعلّمه أحد بعد أن البلف تجارة خاصة بالجنرال الناعس على حجارة الوهم والأوهام، وأن زمن الادعاءات الكبيرة المغلّفة بالعفن والآتية من العقول المريضة والمستوطنة في النفوس الأكثر مرضاً قد انتهى واندحر وتبدد واندثر… لم يعلّمه أحد أن قلة الأدب بضاعة كاسدة، وما بقي منها بعد السنوات التسع العجاف يكفي أصحابها ليس إلا…
رحَمَ الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كم كانت نظرته الى الناس في مكانها، وكم كان محقاً في أحكامه على الرجال وأشباههم، وكم كان غنياً بفراسته التي لا تخطئ.