تزامن مفارقتين: زيارة رئاسية لـ"جدّة" وزيارة منتحل صفة لـ"طهران"
نجد في كل دولة كباراً وصغاراً أو ما هو بين بين، يكون كبيراً مَن هو في موقع مسؤولية، يمارس بجدارة، وسياسي يتخطى حجمه الفعلي، على مستوى القيم الوطنية.
بين 11 و14 الجاري، كان الأبرز والأهم زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان للمملكة العربية السعودية، شاء ميشال عون التخفيف من أهميتها، عبر إقدامه على زيارة طهران، مهّد لها وقال خلالها ما لا يخطر في بال أي لبناني حريص على كرامة وسلامة بلده.
وكان اللافت على المستوى الأمني، تمكن القوى الأمنية من كشف شبكة إرهابية وإلقاء القبض على عناصر منها، شبكة كانت وراء الاعتداء على الجيش اللبناني ثلاث مرات، في موازاة إقدام الرئيس السوري بشار الأسد على توقيع مرسوم العلاقات الديبلوماسية مع لبنان.
الرئيس سليمان في جدة
بين 12 و13 الجاري قام رئيس الجمهورية بزيارة رسمية للسعودية في التوقيت والظرف الملائم.
شكر الملك عبدالله بن عبدالعزيز على المساعدات الجلى، السياسية والمادية والعسكرية التي قدمتها المملكة، مساعات وهبات مجانية.
مساعدات قوبلت من فريق من القيادات اللبنانية، لاسيما من ميشال عون، بحملات جانية في الفترة الأخيرة على المملكة.
وأكد المسؤولون السعوديون انهم على مسافة واحدة من جميع الفرقاء اللبنانيين وأنهم حريصون على سلم وسلامة الدولة اللبنانية المستقلة.
عون في ذكرى 13/10/1990
احتفل ميشال عون بها، قبل موعدها بيومين، ذكرى مهزلة حرب تحرير صورية ضد الاحتلال السوري وطرده من قصر بعبدا، في شكل غريب وعجيب، إذ انه لم يقل أي كلمة فيها، ربما خجلاً من ذكر بطولاته.
خلال الخطاب الذي ألقاه في "قصر المؤتمرات" تكلم عن كل شيء، لا صلة له بالموضوع الاساسي، وأطلق النار على كل ما يتعارض مع مزاجه الشخصي.
هجوم على الحكومة التي يشارك فيها، على نواب القوى الحاكمة، ما يبدو له إنجازات لا يتعدى كونه بضعة مشاريع باهظة الكلفة، عدم توفر الماء والكهرباء والدواء والهواء النقي، لم يقتنع ان انتفاضة الاستقلال أخرجت الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005، هجوم على السعودية، تفاهمه مع "حزب الله" بعث فيه الطمأنينة في قلبه لا عند سواه، اتهم السلطة باستفزازها للمعارضة.
رأى ان مفهوم الدولة "قد انهار بضوابطه الأخلاقية والقانونية والإنسانية. وفاته الاعتراف العلني ان همروجة التحرير والالغاء أدت إلى أمر واحد: تدعيم الوصاية السورية على لبنان على مدى خمسة عشر عاماً.
مقدمة زيارته لطهران
الأحد 12 الجاري، غادر عون بيروت إلى إيران، عبر دبي، برفقة ادغار معلوف وبيار رفول، وصرح في مطار رفيق الحريري الدولي ان زيارته لايران تدخل في اطار التعارف والصداقة، وان الصداقة (المشبوهة) ليست اتهاماً، ورداً على سؤال حول امكانية الحصول على المال والسلاح من إيران، أجاب: "لا بأس، وسيكون الأمر إذا حصل "لتغطية السلاح والمال الذي يحصل عليه الفريق الآخر"، فريق الأكثرية الرافضة لأي سلاح غير شرعي ولأي مال حرام.
وحول الإرهاب في لبنان، قال صهره سند ظهره جبران باسيل: "لقد تخاذلوا طيلة أربع سنوات في قمع هذا الإرهاب، بل انهم موّلوه وسلحوه".
غزل عون بإيران
في اليوم التالي، وقبل أن يقيم له الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد حفلة عشاء تكريمية في القصر الجمهوري، كان قد التقى عون وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي، وعقد معه مؤتمراً صحافياً مشتركاً، أشاد بالجمهورية الايرانية "تساعد لبنان دوماً.. وهي لم تساعد عدواً ضد لبنان ولا لبنانياً ضد أي لبناني"، كيف ومتى؟ العكس هو الأصح.
"زيارتي أتت متأخرة وهي تخدم القضية اللبنانية" كيف؟ أيخدم بلده إنسان بدعمه لسلاح ومال ايرانيين هدفهما الأول والأخير تحويل لبنان إلى محرقة عبر جعله قاعدة لازالة إسرائيل من الخريطة؟
دافع عن مشروع فارسي لشرق أوسط جديد وعن "الوهية انتصار حزب الله في حرب تموز"، علماً انه كان هناك هزيمة كارثية على المستوى اللبناني.
وقبل أن يتوجه عون إلى إيران، نقلت عنه احدى الصحف كلاماً مفاده انه سيعمل للدفاع عن مسيحيي الشرق، وهو الذي ما زال يذل مسيحيي لبنان، لسبب واحد: عجزه عن تبوؤ مقام رئاسة الجمهورية.
ويكون بطلاً، عندما يتمكن من إعادة مسيحيي حارة حريك إلى منازلهم وممتلكاتهم في بلدتهم وبلدته، وهو عاجز عن فعل كل ما عداه.
ردود فعل
كان من الطبيعي أن يستنكر أي لبناني ما قاله عون. فاعتبره رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط "عميد الهزائم والانكسارات"، هو جزء من حقيقته، وأن يقول فيه عميد حزب "الكتلة الوطنية" كارلوس اده انه "من خلال مهاجمة السعودية إنما هو تقديم أوراق اعتماد إلى ايران وشكرها وشكر سوريا من خلالها على دورهما في دعمه مالياً وسياسياً".
وسأل عون عن "أوامر التحويلات المصرفية الموقعة منه شخصياً بنقل عشرات الملايين من الدولارات من حسابات لدى البنك اللبناني للتجارة إلى حسابه الخاص المفتوح لدى مصارف BSVP الفرنسية تحت الرقم B1992 في العام 1990.
وإذا كان أي حدث ينطق نفسه بنفسه، من دون حاجة إلى تجميل أو تقبيح، فقد اشتهر ميشال عون بالقراءة المغلوطة لأحداث جلل تولدت منها ويلات موثقة للبنان.
1 ـ عندما كان رئيساً لحكومة عسكرية مشؤومة استقال منها نصفها فور تأليفها، عمل بجهد منقطع النظير لمنع انتخاب رئيس الجمهورية إذا لم يكن هو شخصياً الرئيس، وتكررت هذه المحاولة بنجاح عندما كان نجم التعطيل لانتخاب الرئسي الجديد قبل انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود الممددة.
2 ـ كيف واجه هجوم الجيش السوري على قصر بعبدا في 13/10/1990، سارع إلى الهرب إلى السفارة الفرنسية، بدل أن يبقى في القصر ليتابع عن كثب ومن القصر بالذات امكانية وقف اطلاق نار أعلنه عبر الاذاعة، بالوسائل المتوفرة، جبان ترك خيرة ضباط وجنود يتابعون مواجهة الجيش السوري بصدورهم في غياب اوامر صادرة عن قيادته المهزومة.
3 ـ كيف يدافع عن الجهة التي استدرجت إسرائيل لعدوانها على لبنان، حيث سقط 1500 قتيل وآلاف الجرحى، ودمرت قرى وأملاك خاصة، اثر "وعد صادق" لم ينفذ منه أي شيء يذكر، وقد أثبت تبادل الأسرى بين "حزب الله" وإسرائيل انه لم يسفر إلا عن تحرير السجين سمير القنطار، وتسلم ثماني جثث وأربعة مقاتلين أحياء لـ"حزب الله" نالوا نصيبهم خلال حرب تموز لا قبلها.
4 ـ هلل عون للغزوة التي قام بها "حزب الله" لبيروت وبعض الجبل في 7 أيار، من منطلق حقده الدفين على مَن اعتدي عليهم.
5 ـ ماروني تحامل على القوى الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي، إلى حد اعتبار البعض منهم ميليشيات، وبلغ هذا التحامل ذروته اثر أحداث مخيم نهر البارد.
6 ـ دخل طرفاً في الصراع الشيعي ـ السنّي ومارس موهبة إهانة سنّة لبنان، من هنا حملته المستديمة وغير المبررة على آل الحريري ورجل الدولة بامتياز فؤاد السنيورة.
مرسوم التبادل الديبلوماسي
في 14 الجاري وقّع الرئيس السوري بشار الأسد مرسوم إقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان خطوة طبيعية طال انتظارها.
المرجو هنا ان تكون هناك علاقات ندية بين الدولتين وأن تكفّ دمشق نهائياً وجدّياً عن تدخلها السافر في شؤون لبنان الداخلية.
سفير سوري في بيروت يجب أن يعني عملياً احترافاً فعلياً باستقلال لبنان، بدل أن تواصل دمشق تدخلاتها، مع حذر من أن يستمر التدخل على الميلين بعد فتح السفارة السورية في بيروت.