#adsense

وبعد طهران إلى أين؟

حجم الخط

..وبعد طهران إلى أين؟!

بمناسبة زيارة الجنرال ميشال عون غير المسبوقة الى طهران والمواقف التي أطلقها تأييداً للثورة الاسلامية وقادتها وإعرابه عن شكره وتقديره لـ"حنانهم" على اللبنانيين من دون تمييز، لا يستطيع المرء الا أن يهنئ ايران على استضافة هذا الضيف الرفيع، متوقفاً عند جملة تساؤلات ومفارقات مستوحاة من سلوك الجنرال عون الانقلابي وتجاربه السياسية في الداخل اللبناني، والمتنقلة مع الخارج من بغداد الى باريس وواشنطن وصولاً الى دمشق وطهران.

فمركّب النقص تجاه الآخر المختلف، والذي يعبر عنه الجنرال عون أحياناً، بالشتائم والكلام من "تحت الزنار"، لا يمكن بأي حال، اعتباره نزوة أو حالة عابرة يمكن التغاضي عنها أو تجاهلها. ذلك ان من يراجع "ارث" الجنرال عون في التعاطي مع اخصامه، وينتبه لملامحه وردات فعله على اي أمر لا يعجبه لا سيما تساؤلات الصحافيين بشأن اي مسألة لا يستسيغ طرحها، بوسعه أن يكتشف أية ظاهرة سياسية نبيلة هو الجنرال عون في احترامه حق التعبير والاختلاف.

معصيتان يرتكبهما النائب عون في شتمه لمن لا يتفق معه من سياسيين او صحافيين. الأولى معصية أخلاقية والثانية مناقبية. فالمعصية الأخلاقية تكمن في استخدامه الشتائم والكلمات النابية التي تؤذي القيم وتشجع الرذيلة، ولولا الخشية من الاتهام بالتجني وعدم الموضوعية لخجل المرء من إعادة التذكير ببعض عبارات مخزون "تحت الزنار" التي لم يتردد الجنرال أو يخجل من استخدامها في العديد من المناسبات، كقوله على سبيل المثال لا الحصر: "النذر للدير والخرا عابو سمعان".

أما المعصية الثانية، المناقبية فهي تكمن في طبع الجنرال عون القمعي تجاه الرأي الآخر المختلف، وأيضاً استهتاره وعدم احترام حق الكتاب والصحفيين في النقد والمساءلة. وهنا لا داعي للتذكير "بتراث" الجنرال عون "الأحمر القاني" ولا سجله "البرتقالي"، الخاليان من أي تقويم او حتى ملاحظة نقدية عن تجربته المديدة في "الالغاء" و"التحرير"، أو عن مراهناته القديمة على صدام حسين، والجديدة على الغرب بداية، ومن ثم على بشار الاسد وأحمدي نجاد.

وإذا كان سلوك الجنرال مع الصحفيين والأخصام السياسيين الآن، على هذا النحو، فمن بوسعه أن يتوقع كيف كان يمكن أن يتصرف لو قيض له ان يصبح رئيساً للجمهورية؟! السؤال مشروع لأن من يراجع سيرة النائب عون بعقل بارد، يكتشف ان مركب النقص لديه ليس جديداً لكن اهداف هذا المركّب هي التي كانت تتغير بحسب الزمان والمكان. فعندما يقول الجنرال عون مثلاً، ان ليس لديه مشكلة مع أحد، يكون صحيحاً بأن لا مشكلة لديه مع أحد، وذلك لأن المشكلة تبدأ عندما يستشعر الجنرال بأن هذا "الأحد" سيكون حجر عثرة بوجه مشاريعه ومخططاته أو بلوغ غاياته. وعندها تحديداً يتحرك مركب النقص ويبدأ بالتعبير عن ذاته فجوراً وعنفاً لفظياً ومادياً.

فعلى سبيل المثال: في البداية لم يكن للجنرال عون مشكلة مع الرئيس الراحل حافظ الأسد. وهو الأمر الذي تؤكد رسالة الجنرال عون للأسد في الثمانينيات والتي جاء فيها "أنا جندي صغير في جيش الأسد الكبير". الواضح ان المشكلة بدأت بعدما تبين للجنرال عون أن الاسد ليس في وارد دعمه للوصول الى السلطة، وعندها تحرك مركب النقص وبدأ مسلسل الحملات والشتائم على سوريا ونظامها وقادتها. وفي الواقع والملموس، ليس مبالغة أبداً اعتبار ان مسيرة عون السياسية بمراحلها كافة قائمة على رد فعل هذا المركّب الذي يتوجه تلقائياً ضد كل من يحاول اعاقة تحقيق غاياته.

تعبيرات مركب النقص عند الجنرال عون ترسم بوضوح مسار مراحل حياته السياسية: فمن التبعية لآل الجميّل الى الانقلاب عليهم وشتمهم من "تحت الزنار"، ومن الهجوم العنيف على "عميل" الوصاية اميل لحود الى الذود عن كرامته وصلاحياته، ومن التحالف مع العراق ـ صدام حسين واستخدامه أقذع التعابير والأوصاف عن الوصاية السورية وأزلامها الى الحرص على افضل العلاقات معهم، ومن "التطبيل والتزمير" عن خطر سلاح "حزب الله" الايراني على الكيان والدولة والاستعانة بباريس وواشنطن لحماية لبنان من خطر سلاحه الى التخييم مع هذا الحزب في ساحة رياض الصلح والمزايدة في الدفاع عن مشروعية سلاحه وحقه في تقرير مسألة الحرب والسلم، ومن الدموع التي ذرفها عشية الانتخابات النيابية، مباشرة، من زنزانة وزارة الدفاع جراء الظلم الذي لحق بسمير جعجع، الى اعادة نبش القبور واتهام جعجع بارتكاب المجازر والتسلح والتقسيم، ومن التوافق مع تيار "المستقبل" على 90% من برنامجه الى السباب والشتائم لقادته ونوابه ووزرائه وصولاً الى تلفزيونه وجريدته.

اضافة الى كل هذه المآثر والانجازات والتي لا يستثنى منها رسائل عون الى الاسد الاب وصوره مع الضباط الاسرائيليين عام 82، يبدو أن الجنرال عون قد قرر بمناسبة زيارته بلاد فارس وباسم "التفويض الشعبي" الممنوح له، سحب تسمية "الأم الحنون" من فرنسا، وتقليده لجمهورية ايران الاسلامية، التي أعلن عن شكره وتقديره العميق لها وقبوله منها كل العطف والسلاح والحماية من دون قيد أو شرط. لكن مع كل هذا الوفاء والود لإيران وانطلاقاً من "تجارب" الجنرال الطويلة يبقى السؤال: اين مصلحة لبنان واللبنانيين في كل هذه التجارب؟ وبعد طهران الى اين؟!.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل