#adsense

الثأر لسمعة منتهكة؟

حجم الخط

"الثأر" لسمعة منتهكة؟

يطيب للبنانيين ان يستعيدوا بعضا من ثقتهم بأنفسهم وبالذات اللبنانية، وهم يشاهدون ويلات تتفشى في ارجاء واسعة من العالم وتجتاحه كأنها صورة مضخمة مستعادة للكثير من مرارات كان لبنان سباقا الى التلوع بمذاقها المرّ.

يحلو للبنانيين هذه الايام ان يفركوا عيونهم غير مصدقين ان الدومينو الحارق للأزمة المالية العالمية لم يمرّ بهم ولم يقترب من جنى الاعمار والقلة القليلة من عافية يحرصون عليها بعد طول تجارب حارقة اودت في حقبات سابقة بالبلد الصغير الى أبشع مما يشهده العالم المالي العملاق الآن.

ويحلو لهم ان يفيقوا على واحة أمان كأنها استسقت العناية الالهية لعدم ادخالهم تكرارا في ما لم يجف مداده بعد من تراكمات حروب وازمات واحتلالات ووصايات تضافرت كلها لتجعل ديون البلد الصغير من عمالقة المديونيات قياسا بحجمه.

يحلو للبنانيين فعلا ان يصدقوا ان ثمة قدرة لنظام ما لديهم على بناء "فلك نوح" للنجاة من طوفان الازمة، وتراهم كأنهم، وايديهم على قلوبهم، يخشون "كثرة الحكي" ودفق التطمينات، ويتمنون لو يستعاض عن هذه الاناشيد التي تطرب الاذن وتلفح السامعين بطيب النسائم المتفائلة بمجرد تطمين وكفى. فلبنان يحتاج الى اكثر من خرز ازرق للوقاية والحماية، لأن آلاف العيون الفارغة الحاسدة ترمقه في بؤسه كما في فرجه، ولأن مجرد وجوده يثقل على قلوب لم يدخلها يوما هواء نظيف.

ويحلو للبنانيين ايضا ان تقوم قواهم السياسية من كل الطوائف والمذاهب والاحزاب، بعيدا من فرز 8 و14 ومن غالبية ومعارضة، ومن غالب ومغلوب، ومن محور شرقي ومحور غربي، الى نصرة صاخبة لمسيحيي العراق، ومسيحيي موصله الذين بدأوا يتجرعون كأس الجلجلة بمقاييس هذه الايام ومعايير هذا الزمن المتطرف القاتل للتعددية والمطواع لكل ذي عقل عفن متآمر على "المشرق" البائس.

يحلو للبنانيين فعلا وهم الذين كادوا يصبحون في عيون العالم قبائل طائفية ومذهبية جاهلية ورحل منهم مئات الألوف في هجرة نازفة لا مرد لها، يحلو لهم ان يثأروا للسمعة المستهانة والصيت المنتهك وان يكونوا طليعة العرب في اعلاء الصوت تحذيرا وتنديدا وحضاً لمنع محرقة المسيحيين في العراق ووقفها عند حدها قبل ان يتجفف العراق تماما من مسيحييه، وقبل ان يتصحر المشرق العربي برمته، تحت وطأة عنف طائفي ومذهبي من هنا وهجرة مفتوحة على الغارب من هناك.

ويحلو للبنانيين بين هذا وذاك من الاحداث الدولية والاقليمية ان يتنسموا هواء نظيفاً في وسط بيروت يعاكس كل رياح الفتنة التي كادت تزعزع الجمهورية قبل اشهر.

يحلو لهم ان يشهدوا تظاهرة "للعيش المشترك" في معبد كرّس خصوصية العاصمة التي غالبا ما يختصرها كبير الميثاقيين الاستاذ غسان تويني بانها الوحيدة في العالم التي تحوي في بقعة جغرافية صغيرة اكبر عدد من المساجد والكنائس.

خصوصية نادرة اتخذت بعدها الرمزي في اليومين الاخيرين مع كمّ كبير آخر من الرمزيات الدراماتيكية والمفرحة في آن واحد، لان تدشين جامع محمد الأمين في وسط بيروت استحضر فجيعة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والواقع الذي تلاها. وكما استعاد التدشين سيرة الرئيس الراقد بملاصقة المسجد والبعد الخطير الذي اودى به، قدّم في المقابل صورة رمزية لما لا يزال لبنان يملكه في مواجهة كل ما اريد له ان يحترق به من جراء حرب الاغتيالات. فالعيش المشترك ليس انشودة كلامية "على الطلب"، وما شهده تدشين المسجد كان اعمق بكثير من مجرد استحضار الشعار بدليل تشكيله حدثا داخليا لم تتخلف عنه اي طائفة او مذهب او فئة، اضافة الى بعده الديني الصرف وما استقطبه في ظاهرة الضيوف.
والأهم من المحطات الثلاث ان يمضي اللبنانيون في حماية لبنان لان "التعويذة" وحدها لا ترد عيناً حاسدة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل