افتتاح مسجد محمد الأمين “ردّ” على 7 أيار

أبرز ولاء السنّة لمرجعيتهم السياسية وقدّم صورة الشراكة الإسلامية ـ المسيحية وأظهر الحاضنة العربية لـ "الصيغة"
افتتاح مسجد محمد الأمين "ردّ" على 7 أيار

لم يكن إفتتاح مسجد الرسول محمد الأمين صلى الله عليه وسلم حدثاً عادياً. لم يكن مجرد إحتفاء بصرح ديني إستكمل تشييده في وسط العاصمة بيروت. ولم يكن مجرد »حنين« إلى واضع حجر الأساس لهذا الصرح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كان الحدث إستثنائياً، إذ حمل معه مجموعة من الدلالات والمعاني السياسية العميقة.

المسلمون السنّة: مع الحريري ودار الفتوى

فعلى مدى يومين، الجمعة للصلاة والسبت للإفتتاح »الرسمي«، شهد وسط بيروت أول احتشاد شعبي، إسلامي سنّي، منذ مسيرة الذكرى السنوية الثالثة لجريمة اغتيال الرئيس الحريري في 14 شباط الماضي، وتحديداً منذ 7 أيار وغزو بيروت.

في شهر رمضان المبارك المنصرم، أتيح لزعيم »تيار المستقبل« سعد الحريري ان يلتقي حشوداً في طرابلس وعكار والبقاع وإقليم الخروب خلال جولاته تحت عنوان »المصالحة«، كما شكلت الإفطارات التي أقامها في قريطم مناسبات للقاءات حاشدة. بيد أن آلاف المسلمين السنّة الذين شاركوا في الصلاة وفي إفتتاح الجامع، كانوا يعبّرون عن »ذاتهم«، عن »كينونتهم«، أكثر من أي وقت، معلنين خروجهم من »الكبت« ومن »المرارة«.. ومن الترهيب.

وبهذه المشاركة الحاشدة في الصلاة وفي إفتتاح الجامع، أكد آلاف المسلمين السنّة من اللبنانيين أن إسلامهم إسلام مسجد وإسلام إيمان بالله وبرسوله وإسلام ثقافة وحضارة وإسلام وطنية لبنانية، وليس كما يصفه ويصفهم أعداء لبنان المستقل الحر العربي المنفتح، ممن يلصقون تهمة الإرهاب والإرهابيين بدينهم وأتباعه، ممن يرعون الإرهاب الذي يجري تنسيبه زوراً إلى الإسلام والمسلمين ولا يستهدف إلا الإسلام والمسلمين بالدرجة الأولى.

وبالمشاركة الحاشدة في الصلاة والإفتتاح، أكد آلاف المسلمين السنّة اللبنانيين انهم يوالون مرجعيتهم السياسية التي تجسد قيم الإسلام، إسلام العلم والمعرفة والثقافة والحضارة، وإسلام الوطنية اللبنانية، إسلام الإعتدال والعيش المشترك، وهي المرجعية السياسية المتمثلة بـ«تيار المستقبل« وزعيمه سعد رفيق الحريري. وأكدوا في الوقت نفسه تحلّقهم حول المرجعية الدينية المتمثلة في دار الفتوى ومفتي الجمهورية.

الحضور الشيعي ينفي »الصراع المذهبي«

هذا في بعض الجانب الإسلامي اللبناني من »الصورة«. غير أنّ في الجانب اللبناني »الأوسع« مشهداً لا يقل أهمية. إنه الجانب المتعلق بحضور كل الطوائف إفتتاح المسجد.

في البعد الإسلامي ـ الإسلامي، كان مهماً جداً حضور الثنائية السياسية الشيعية، ولو أن أحد طرفيها ـ أي »حزب الله« ـ قصرَ حضوره على إفتتاح الجامع فقط ولم يشارك في صلاة الجمعة. كما كان مهماً أيضاً حضور »المؤسسة الدينية الشيعية الرسمية« أي »المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى«، إلى جانب حضور فاعليات سياسية ودينية شيعية مستقلة. وكان هذا »الحضور الشيعي« مهماً من زوايا عدة. زاوية تأكيد أن لا صراع مذهبياً سنّياً ـ شيعياً في لبنان والعالمَين العربي والإسلامي أو بالأحرى انّ »الإختلافات« المذهبية ليست عنواناً لـ«صراع« ولا يمكن أن »ترتقي« إلى مرتبة الأولوية. وزاوية تأكيد أن الصراع هو ـ أو يمكن أن يكون ـ بين قوى تمثيل سياسي في طوائفها ومذاهبها وليس صراعاً »دينياً« ويجب ألاّ يكون، على اعتبار أنّ فرض »التماثل« بين حزب أو جهة وبين الطائفة والمذهب مسلك خطير. وزاوية تأكيد أن »الفتنة« المذهبية الإسلامية لا تحصل ـ إن حصلت ـ بسبب ديناميات الخلافات الفقهية بل بسبب ديناميات سياسية أي بـ«فعل فاعل« سياسي. ومن زاوية تأكيد أنّ »الموسم« الحالي في لبنان موسم مصالحة هادفة إلى إستعادة الصراع السياسي إلى سياق طبيعي وجادة سلمية.

المشاركة المسيحية: صورة دور لبنان

غير أن ثمّة بُعداً إسلامياً ـ مسيحياً جديراً بـ«التنويه«. إن مشاركة الطوائف المسيحية كافة في إفتتاح المسجد »أسكتت« كل الإدعاءات والمزاعم بأنّ إستياءً مسيحياً »كان« موجوداً من إقامة الجامع بجانب الكنائس في وسط العاصمة. وأكدت ـ المشاركة المسيحية ـ أن المسيحيين في لبنان لا يعتبرون المسلمين السنّة »بعبعاً« مخيفاً، أو أنّ المسلمين السنّة »يستهدفون« المسيحيين ووجودهم ودورهم وموقعهم المحفوظ ضمن الشراكة الوطنية. وأكدت أيضاً أنّ الخطر على المسيحيين، هو نفسه الخطر على لبنان واللبنانيين، خطرٌ سياسي أي خطرٌ متأتٍ من مشاريع سياسية تربط لبنان بكل ما فيه ومن فيه بمصالح خارجية ضدّ استقلاله وحريّته واستقراره. على أنّ أهم زاوية نظر الى المشاركة المسيحيّة في إفتتاح المسجد، هي أن هذه المشاركة قدّمت »صورة« لبنانيّة معاكسة تماماً لما يجري في غير مكان من المنطقة العربيّة. صورة العيش المشترك الإسلاميّ ـ المسيحيّ. صورة التآخي الإسلاميّ ـ المسيحيّ على ثوابت وطنيّة لبنانيّة مشتركة. صورة المسيحيين الشركاء في قرار البلد لا صورة »أهل الذمّة«. صورة »الإئتلاف« اللبنانيّ لا صورة »صراع الأقليات«، أو تحالف بعضها ضد الآخر. صورة المسلمين المدافعين عن وجود المسيحيين ودورهم لا صورة المسيحيين »المعزولين« الذين يتعرّضون للقتل والتهجير بفعل المشاريع السياسيّة غير الوطنيّة وغير العربيّة كما في العراق وفلسطين. إنها صورة دور لبنان العيش المشترك في المنطقة والعالم… صورة »المعنى« الحقيقيّ للبنان.

النظرة العربيّة من »المقاومة« إلى »الصيغة«

أما في البعد العربيّ للحدث، فقد كان أمران يلفتان فعلاً. الأول هو الحاضنة العربيّة، الإسلاميّة المعتدلة، للإعتدال الإسلاميّ في لبنان والعيش المشترك فيه. والثاني هو حجم المتابعة العربيّة اللصيقة للوضع اللبنانيّ، حتى من جانب مرجعيات دينية.

والمقصود هنا بـ »المتابعة العربيّة اللصيقة« للوضع اللبنانيّ هو الإنتقال العربيّ من النظر إلى لبنان بـ »عيون مقاومة« الى النظر إليه كنمودج أو كصيغة تمثل حاجة عربيّة. لا شك في أن »المقاومة« في لبنان أسرت العقول والقلوب العربيّة حتى العام 2006، من زاوية »البطولة« والقدرة على إلحاق الوجع والهزيمة بإسرائيل. لكن مما لا شك فيه، في المقابل، ان ما حصل في لبنان منذ ما بعد حرب تموز 2006 وصولاً الى أيار الماضي، بدّل النظرة العربيّة ـ والإسلاميّة العربيّة ـ إلى »المقاومة«. وهذا ما لخّصه نائب مصري شارك في صلاة الجمعة وإفتتاح السبت، بقوله إن ما جرى بعد 2006 كان »تبديداً للإنتصار ضد إسرائيل«.

ردّ على 7 أيار

إذاً، في ضوء كل المقدمات الآنفة، التي أبرزت دلالات الحدث ومعانيه العميقة سياسيّاً، لا مفر من القول ان ما رافق إفتتاح جامع محمد الأمين (ص)، كان رداً إسلاميّاً ـ لبنانيّاً ـ عربيّاً على 7 أيار.

والمؤمل فعلاً، وعلى أبواب اللقاء الذي يجمع بين النائب سعد الحريري والسيّد حسن نصرالله، أن يقرأ »حزب الله« جيّداً معاني الحدث والسياق الذي »قاد« إليه، كي لا يتكرر 7 أيار. و »حزب الله« قادر على استيعاب تلك المعاني. أما الجنرال فلا يؤمل منه شيء، وهو الدافع باتجاه صراع مسيحيّ ـ سنيّ. وسلفاً، يمكن تأكيد أن الجنرال العائد من طهران سيواصل محاولته هذه، ومَن لا يصدق لينتظر ما سيقوله هذا الذي يجعل من المسيحيين وقوداً لتغذية صراع إسلاميّ ـ إسلاميّ، وقوداً في مشروع غير عربيّ، ويحوّلهم إلى »مادة« في »بازار« أجنبيّ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل