#adsense

من صدام حسين الى أحمدي نجاد.. الشاطر والمشطور والكامخ بينهما ميشال عون

حجم الخط

من صدام حسين الى أحمدي نجاد.. الشاطر والمشطور والكامخ بينهما ميشال عون

نصحنا النضاج والأصدقاء، والغيارى والمحبين بضرورة إنزال ميشال عون عن كتفنا، وتركه في سبيله، يقارع سياسته المخملية الجديدة، ولكن هذه النصيحة لم تأت في ظرف مؤات للسكوت عن جنوح الرجل وتماديه في ركوب الأسطول الايراني الجديد بعدما أوصله السوريون الى حضن الجمهورية الاسلامية الايرانية وعلى جواد حزب الله. ولعل مقارنة سلوكية الرجل أمسه مع حاضره، مفيدة جداً خاصة في تنقله السندبادي بين بغداد وطهران. وهو الضابط الذي فتح لا بل شق أوسع الطرقات مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وهذا الأخير وفي خضم حربه الشرسة مع ايران كان ميشال عون من أشد المغالين في تربعهم على عرش المال العراقي والسلاح العراقي والعطف العراقي، ولعل مذكرات العميد الركن المتقاعد فؤاد عون الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الأركان للتخطيط زمن تولي عون للقيادة شهادة دامغة لعلاقة عون بالرئيس صدام حسين، لا بل أكثر من ذلك، فإن صدام كان أحد أبرز مشجعي عون وداعميه ومحرضيه في كل ما فعله وقام به خلال امساكه بمقدرات السلطة في لبنان بين عامي 1988 و1990.

وهنا تطل علينا مفارقة عجمية غريبة، ألا وهي كيفية جمع عون علاقاته بالسوريين وتورطه مع نظام صدام حسين؟ من المفيد جداً طرح إشكالية العلاقة بين ميشال عون الضابط في بداياته ومن ثم عون قائد الجيش ولاحقاً رئيس الحكومة الانتقالية، وفي المراحل الثلاث هذه، تقلبت وتنقلت علاقة عون بالسوريين من أقصى التودد لدرجة الارتماء بحضن حافظ الأسد الى نقيض النقيض حتى إعلان عون حرب التحرير ضد الاحتلال السوري، وهنا تكمن اللعبة، ميشال عون سبق له ان بعث برسالة الى الرئيس السوري حافظ الأسد وكان ذلك خلال فترة تولي عون لقيادة الجيش ومع اقتراب نهاية ولاية الرئيس أمين الجميل ليقول له فيها حرفياً:

»إنني عسكري، ويهذه الصفة فإنني أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطاً صغيراً في جيشه. وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عامة وللمسيحيين خاصة، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها ان أردّ لها الجميل. إنني أتفهم مصالح سوريا في لبنان، وأسلم بأن أمن لبنان من أمن سوريا. ومن حق سوريا علينا ان نوفر لها أسباب الطمأنينة وأن نشرع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة أي اعتداء محتمل عليها، كذلك أنا مستعد لعقد أي اتفاقات أمنية، إضافة الى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها، مروراً بشبكة الموفدين المتعددة الأسماء والتي تبدأ سلسلتها بالوزيرين ألبير منصور ومحسن دلول ولا تنتهي بصديق عون الشخصي المحامي فايز القزي الذي تولى شخصياً معظم ترتيبات عودة ميشال عون الأخيرة من منفاه المخملي في باريس، كما تتولى شخصياً وفي مرات عدة نقل رغبات وطلبات وتمنيات ميشال عون الرئاسية«.

ويبقى السؤال عن كيفية تنقل عون وتقلبه وفي أحيان كثيرة تقلباته المتلونة بشكل غير منطقي، ولكن التفسير الوحيد، لا بل المنطق الوحيد لسلوكيات الرجل هي الهم الأساسي الذي قض مضجعه وهو الوصول الى قصر بعبدا والقبض على السلطة الأمر الذي لم يحصل ولن يحصل أبداً لعلم الجميع أن هذا الرجل غير الموزون سياسياً وغير المتزن في علاقاته وتحالفاته لذا من الإمكان استعماله والافادة منه قدر الإمكان، أما الركون إليه والتسليم بحكمه. فهذا من رابع المستحيلات حتى لمن هم اليوم أقرب المقربين اليه، بمن فيهم السوريون الذين لم يجدوا في تاريخ العلاقات اللبنانية ـ السورية ومنذ ما قبل استقلال 1943 شخصية سياسية، مسيحية، مارونية قدمت هذا الكم والثمن الباهظ من رصيد لبنان واللبنانيين الى النظام السوري كما فعل هذا الضابط المتقاعد الذي فعلاً كان قومياً سورياً أكثر من القوميين الملتزمين، وكان بعثياً سورياً أكثر من البعثيين السوريين، وهو نفسه اليوم نراه إيرانياً ـ إسلامياً أكثر بكثير من عناصر حزب الله أو عناصر الحرس الثوري الإيراني.

ولم يعد مستغرباً كيف تنقل الرحالة ميشال عون بين بغداد وطهران، ولعل القاسم المشترك أن الرجل وفي زمن عهد صدام حسين قال بأن العراق هي أقوى دولة عربية وهي محورية في منطقة الشرق الأوسط، ليطل بالأمس مجيباً السائلين عن هدف ومغزى زيارته للجمهورية الإسلامية الإيرانية بنفس الجواب الذي أعلنه منذ عشرين سنة. إذاً بات واضحاً أن ميشال عون المسيحي والماروني في الهوية الانتمائية، يتنطح بين عواصم لا تتوافق سياساتها الحالية مع المنهجية المسيحية في لبنان، وبالتالي لا تتوافق أبداً مع الرؤية المسيحية في هذا الزمن. من هنا صار لزاماً علينا ترسيم جديد لتموضع ميشال عون الجديد، خاصة وأن الترتيبات الشكلية واللوجستية لامست نهاياتها فيها يخص زيارته الى سوريا والتي بدأ الإعداد لها منذ أشهر، وهي ستأتي على شكل تتويج لما سبق لعون أن سوقه عن النظام السوري الذي أعطاه صك براءة وبتوقيع أحادي صدر فقط عن ساكن الرابية، وبالتالي فإن تخلي عون عن انتمائه الكنسي وتنكره لمرجعية بكركي كان أيضاً يصب في خانة الترويج والتحضير الفكري للمسيحيين الذين يناصروه حتى الساعة، وفي المعلومات أن النظام السوري سيقدم لميشال عون أغلى هدية ستكون أرفع من وسام يعلق على صدره، سوريا ستجهد لتعويم ميشال عون في الساحة المسيحية عشية الانتخابات النيابية بحيث سيرافق عون معتقلون في سوريا فيحملهم معه في موكبه العائد من البلد الذي سبق له أن اعتبر سايكس بيكو سلخ لبنان عنه.

وعندما نقول إن عون اليوم هو رجل سوريا الأول في لبنان، هذا الكلام يتبعه استطراد واضح وأكيد يؤدي الى معادلة أن عون اليوم هو الأغلى والأعلى ثمناً بالنسبة لإيران ولسوريا، ومهما بلغت قيمته سيتم دفعها كون المقابل كان أكبر وأخطر من أي بترودولار أو بتروكلاشينكوف.. ولكن يبقى أن من اقترب من صدام حسين لمآرب شخصية وآنية وليس لمصلحة وطنية، لن يتأخر عن الاسترخاء في حضن مطلقة ومرضعة ولاية الفقيه.

المهم أن ميشال عون تم استعماله لا بل استغلاله حتى آخر العنقود، وما تبقى من حبيبات عريشته لم يعد يكفي لعصر العنب ولصنع العرق، العريشة ذبلت والعناقيد التي تم قطفها جعلت إيران كما جعلت سوريا أقوى في الساحة المسيحية، وكل ذلك بفضل الزعيم المسيحي الماروني الذي تمكن من شحن المسيحيين عداء وكرهاً بالسوريين والإيرانيين، ومن ثم نقلهم بشاحنة ترانزيت بيروت ـ دمشق ـ طهران.

وأفضل وصف للرجل في كل ما فعله أنه كان ابرع من امتهن تحويل ذاته الى الشاطر والمشطور والكامخ بينهما.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل