#dfp #adsense

تعالوا الى سلام الشجعان

حجم الخط

تعالوا الى سلام الشجعان
ادغار بو ملهب

ترددت كثيراً قبل أن أترجم افكاري التصالحية على الورق لا لأنني لا أؤمن بها بل لانها، أي المصالحة، أصبحت منتجاً خاسراً، من يعتمده يخسر قدرته على نكء جراح الماضي بسكاكين الحاضر ويخسر عندها ابرز الوسائل المعتمدة حالياً للسيطرة على وعي الناس من خلال تغليب الغريزة على العقل، ولان التاريخ أثبت أن السلام لا يصنعه سوى الاقوياء كان لا بد من دعوة صادقة الى التحلي بالشجاعة اللازمة لاخذ قرار السلام والذهاب الى مصالحة الشجعان.

في غمرة الحديث اذاً عن المصالحة المسيحية والمساعي الخيّرة الهادفة الى حقن الدماء بين أنصار كل من القوات اللبنانية وتيار المردة على أثر حادثة بصرما المؤلمة وبعد تخلف بعض القادة عن اتخاذ القرار الحاسم بالمصالحة ووضع الشروط والعراقيل، كان لا بد من التوجه اليكم، أنتم المسيحيون في المقلب الآخر، التوجه اليكم كاخوة في المسيحية وفي المواطنية بدعوة صادقة الى التحلي بالشجاعة اللازمة التي يفتقدها بعض القادة في سبيل الوصول الى مصالحة بين القواعد تفرض نفسها تلقائيا على القيادات على ان تبقى التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية احدى سمات مجتمعنا واحدى مظاهر غناه ورقيه وأن تترجم هذه التعددية بأبهى حللها عبر الاختلاف الحضاري وفقاً للمعايير الاخلاقية المفترضة بين اخوة متخاصمين بشرف ومتنافسين بشرف.

الا أن ما يلفت الانتباه في الآونة الأخيرة ان قسماً من المسيحيين وان كانوا في قرارة أنفسهم يريدون المصالحة الا انهم باتوا اسرى ثقافة التجييش الغرائزي ونبش القبور بحيث تتم السيطرة عليهم من خلال بروباغندا اعلامية لا هدف لها سوى تحقيق بعض المكاسب ولو على حساب ضرب المجتمع وتخطي القيم وتدمير المؤسسات واستباحة المحرمات. لذلك لا بد من أن يدرك أولئك المسيحيون ان تشويه الحقائق وتزوير التاريخ لا يجدي نفعاً وانه لا يوجد فريق واحد مسؤول عن كل الاخطاء وفريق آخر هو الضحية بل الواقع أننا كلنا ارتكبنا الاخطاء واننا كلنا ضحاياها.

أيها الاخوة لقد أخطأتم عندما تنكرتم لنضالنا ولتضحياتنا ولشهدائنا فيما تعملون على تعظيم تضحيات الآخرين لمصالح شخصية وآنية،
أخطأتم عندما فرحتم أو صفقتم أو أيدتم من حاول الغاءنا ما أدى الى سقوط العديد من الرفاق دونما ذنب سوى ما تظهّر لاحقاً عن مقايضة رأس القوات في حينه في مقابل رأس الجمهورية فسقطنا جميعاً وسقطت الجمهورية،
أخطأتم عندما تجاهلتم أسباب الحرب اللبنانية وأطرافها ونتائجها وكوارثها وحمّلتم وزرها للقوات اللبنانية دون سواها في تزوير متعمد للحقائق التاريخية،
أخطأتم عندما فرحتم لاعتقال قائد القوات وظننتم انكم حققتم نصراً فيما كان المسيحيون جميعاً مسجونين معه،
أخطأتم عندما غلّبتم أحقادكم الشخصية على الاعتراف بالحقائق، والحقائق تثبت أننا كمسيحيين جميعنا دفعنا ثمن أهواء شخصية وطموحات شخصية وسقطنا في التجربة وفي الافخاخ التي نصبت لنا لا لشيء الا لأن أحدكم لم يجد له مكاناً في الصفوف الامامية للقوات فسعى الى اخراج القوات من الصفوف الامامية، أو لأن آخرا تعرض للاهانة على يد قواتي في حادثة فردية فقرر أن ينتقم من القوات كمجموعة وكمؤسسة، وآخر وجد نفسه خارج القوات بعد أن كان قد ضحى في صفوفها نتيجة للانتفاضات الداخلية التي حصلت فسعى الى اسقاط القوات بأي وسيلة متاحة مشروعة أو غير مشروعة، وآخر كان يطمح لموقع سياسي او اقتصادي او اجتماعي ولم تتبن القوات طموحاته فسعى لتحقيقها في مكان آخر حاملاً حقده على القوات كوسيلة لتحقيقها، وآخر لا يزال يدفع أمواله يميناً ويسارا ليساهم في تهشيم صورة القوات لأنه اضطر يوماً لدفع ضريبة مادية لها، وآخرون لانهم تأذوا من أحداث اهدن المؤلمة فنسوا كم من الآلام سببوا لسواهم وفضلوا تغطية الاحتلال السوري على النضال معاً لاسقاطه، وآخرون تأذوا من أحداث الصفرا فبات الانتقام هاجسهم، فلا خلفية سياسية لمواقفهم ولا أولوية لمصلحة البلد في خياراتهم بل حقد أعمى يستفيد منه بشكل منظم بعض من امتهنوا اثارة الغرائز واذكاء الاحقاد وادعاء الطوباوية سعياً لكسب رخيص على حساب مصلحة الوطن العليا.

ما يطرح اليوم ليس دعوة الى الالتحاق بالقوات اللبنانية لا بل دعوة للالتحاق بالوطن،
وليس دعوة الى نسيان الماضي بل دعوة الى التعالي عن الجراح،
وليس دعوة الى تأييد أشخاص بل دعوة الى الخروج من الشخصانية والارتفاع نحو المواطنية المسؤولة،
ما أنتم مدعوون اليه هو لحظة تأمل بواقعنا، واقع النزف والهجرة والتقاتل ونبش الاحقاد واذكاء الفتن للانتقال بعدها الى البناء وتحقيق الاحلام والأهم الأهم تنقية الذاكرة.
ما أنتم مدعوون اليه اكبر من الالتحاق بمحور ايراني- سوري او محور اميركي-سعودي بل الالتحاق بالوطن عبر السعي لتحقيق مصالحه لا مصالحنا الخاصة، وعبر الانتقال من لغة الشتائم الى ثقافة الحوار والاقناع، من لغة التخوين الى ثقافة الولاء للوطن،
ما انتم مدعوون اليه هو ان تتجاوزوا ذواتكم للحظة وان تعيدوا قراءة الاحداث بروية وصولاً الى الالتزام بالثوابت والاسس التاريخية التي ضحينا جميعاً في سبيلها فلا سلاح سوى سلاح الدولة ولا سيادة على البر والبحر والجو سوى للدولة ولا حرب خارج قرار الدولة ولا شبكات هاتفية خارج الدولة ولا جزر أمنية خارج سيطرة الدولة ولا مخيمات خارج سيادة الدولة…

أيها المسيحيون
أنتم مدعوون لقراءة الواقع في عيون أطفالكم ومستقبلهم لا في عيون ماضيكم، مدعوون الى انتفاضة على الذات تخرجكم من سجون الشعارات الكبيرة التي تخفي خلفها صغاراً يقتاتون من دماء الفتنة،
أنتم مدعوون الى وقفة ضمير، الى التحرر، فوحدهم الاحرار يصنعون وطناً،
واعلموا ان الانتصار لا يتحقق باسقاط الخصم الى مستوانا لا بل بالتفوق عليه في الوصول الى القمة.

أيها المسيحييون في المقلب الآخر
انتم مدعوون الى سلام الشجعان،
الى مصالحة من القلب ومن الوجدان
والسلام

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل