#dfp #adsense

ما هجّر مسيحيّي العراق

حجم الخط

ما هجّر مسيحيّي العراق

في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1932، أعلنت عصبة الأمم عن انتهاء الانتداب البريطانيّ على العراق، فباتت بلاد الرافدين، بهذا، أوّل بلد يستقلّ من بين البلدان الخاضعة للانتدابات الأوروبيّة. مع ذلك، ففي العام نفسه ردّد ملكه، ومؤسّسه، فيصل الأوّل، العبارة التي كُرّرت لاحقاً واستعيدت مراراً.

قال فيصل: "في ما خصّ هذا، عليّ أن أقول، بقلب يملؤه الأسى، بأني أعتقد أن ما من شعب عراقيّ داخل العراق. هناك فقط مجموعات مختلفة من دون عواطف وطنيّة. وهي تزخر بتقاليد دينيّة خرافيّة ومزيّفة ولا قواسم مشتركة بينها. وهي بسهولة تتقبّل الشائعات وميّالة إلى الفوضى، ومستعدة دائماً أن تنتفض ضدّ كلّ حكومة. أما مسؤوليّتنا فأن نجعل من هذا الكمّ شعباً واحداً، بحيث نستطيع حينذاك أن نرشده وندرّبه ونعلّمه. وكلّ من هو على بيّنة من الظروف الصعبة للبلاد، سوف يقدّر الجهود التي بُذلت لبلوغ تلك الأهداف".

لكنْ في أيلول (سبتمبر) 1933 توفّي فيصل الأوّل فارتقت عبارته تلك الى مصاف الوصيّة، بل الى سويّة الحكمة العراقيّة الأولى، سيّما وقد حلّ محلّه ابنه غازي المصاب باضطراب عصبيّ مشوب باضطرابات قوميّة عربيّة. وما بين مرض فيصل وتسلّم غازي المُلك رسميّاً، طرأ تطوّر خطير افتُتحت به علاقات الجماعات العراقيّة بعد الاستقلال: ذاك ان الأقليّة الأشوريّة (الأثوريّة)، المسيحيّة الديانة، الخائفة من انسحاب البريطانيّين وجلائهم، طالبت بأن يُسمح لها بالانتقال الى سوريّة، حيث الفرنسيّون وضماناتهم، أو بأن تُعطى الحقّ في حكم ذاتيّ تحتمي به. وفعلاً دخل الأشوريّون في مفاوضات مع الحكومة للحصول على ضمانات لهم في العراق الجديد. بيد أن المفاوضات انهارت في أيار (مايو) 1933، ونتيجةً لانهيارها، اعتقلت حكومة بغداد قائدهم وكبير مفاوضيهم، المار شيمون. فلمّا هربت أعداد منهم مذعورة باتّجاه سوريّة، أعادتها القوّات الفرنسيّة الى العراق، بموجب اتّفاقات سابقة مع البريطانيّين، فتصدّى لها الجيش العراقيّ، بقيادة بكر صدقي، وقتل من الأشوريّين من قتل. وساد، في موازاة القتل، تهليل دينيّ وقوميّ عربيّ واسعان وتنديد لا يقلّ اتّساعاً بـ "المؤامرة الأشوريّة لتقسيم العراق".

ولم تمض إلا ثلاث سنوات حتى شهد البلد، وهو أوّل البلدان العربيّة المستقلّة، أوّل انقلاب عسكريّ في العالم العربيّ، بقيادة بكر صدقي نفسه. لكنْ في العام التالي، 1937، اغتيل صدقي.

مذّاك الى اليوم لم تبرهن الاستقلالات، في العراق وفي سواه، على انها صالحة لبناء دول ولصيانة شعوب ولطمأنة أقليّات. فمن انقلاب رشيد عالي الكيلاني و "المربّع الذهبيّ" في 1941 الى توتاليتاريّة صدّام حسين، مروراً بديكتاتوريّة عبدالكريم قاسم وفوضى البعث والعهدين العارفيّين، ومن "فرهود" 1941 الذي نزل بيهود بغداد الى تهجير مسيحيّي الموصل قبل أيّام، مروراً بمحن الأكراد الكثيرة وبمآسي الشيعة العديدة، تتكشّف حصيلة مريرة صنعناها نحن، بإنكليز ومن دونهم، وبأميركيّين وبغير أميركيين. فحين لا تُبنى هويّات وطنيّة تحلّ محلّ التعريف الذاتيّ بهويّة دينيّة، أو إثنيّة، أو طائفيّة، وحين لا يصار الى علمنة الحياة العامّة وتأسيس شرعيّة سياسيّة على مقدّمات دستوريّة بحتة، يغدو استقلالنا أقصر الطرق الى حروبنا الأهليّة أو استبداداتنا العسكريّة. والأقليّات الأقلّ، والأضعف، تدفع الأكلاف الأكبر، ويرسمها التاريخ الأكثريّ، فوق هذا، خائنة متآمرة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل