Site icon Lebanese Forces Official Website

تحــــايــــل الحــــريــــري

تحــــايــــل الحــــريــــري

بدأ السقوط السياسي في براثن "نظام الوصاية" يوم أبلغ ياسر عرفات الى قادة "الحركة الوطنية اللبنانية" مطلع عام 1976، وفي اجتماع طارئ، ان قوات "فتح" ستخلي طريق الجبل أمام تقدم "قوات التدخل السوري"، وفق التسمية "الودودة" في الصحافة العروبية آنذاك.
كانت لعرفات حساباته الفلسطينية، و"وزناته" العربية والاقليمية والدولية. وكانت طموحات الحركة الوطنية الى قرار لبناني مستقل، ضمن التحالف مع المقاومة الفلسطينية، قد اندحرت امام واقع ميزان القوى، سلاحاً ومالاً ومصدراً.

لعب "نظام الوصاية" لعبة القط عند تقسيم الجبنة بين فأرين: القضم من حصة كل طرف بحجة العدل بينهما. لم يكن مع الحركة الوطنية ضد "القوات اليمينية" أو العكس، بقدر ما كان مع نفسه ومصالحه. استخدم الأسلوب نفسه داخل كل معسكر، واحيانا بعلم من الأطراف الذين دفعهم الى التناحر في كل من المعسكرين، كما "حرب العلمين" الشهيرة في "بيروت الغربية" التي بررت عودته عام 1986.

سقوط "الحركة الوطنية"، فلسطينياً وسورياً، لم يلغ كونها قدمت مشروعاً وطنياً اصلاحياً، سيظل ماثلا كلما ابتعد اللبنانيون عن التناحر، وبحثوا عن الدولة والوطن.

السقوط الثاني امام نظام الوصاية كان في 13 تشرين الأول 1990، وبطله العماد ميشال عون حين هرب إلى السفارة الفرنسية لاجئاً، قبل أن يصبح منفياً في باريس. لم يخلِ الساحة لاميل لحود في قيادة الجيش فحسب، بل فضح فراغاً كان يملأه بضجيج تحرير لبنان لا يستند الى أي برنامج سياسي سوى "الأنا" المتضخمة الى اليوم. والدليل ان ما يزعمه موقفا او برنامجاً سياسياً، لا نجد تطابقا فيه بين "عون الباريسي" وما قبل، وعون "اسكتوا" في المطار، وما بعد.

السقوط الثالث، الذي لم يقع، رشح نظام الوصاية له الدكتور سمير جعجع، حين خيره الوسطاء بين مغادرة لبنان أو السجن. مؤدى الخيار الأول استيعاب "القوات اللبنانية" في "سلة" الهيمنة. وانتهاج الخيار الثاني، وهو ما حدث، أدى إلى تصليب هذا التنظيم على قاعدة التمسك باتفاق الطائف، وما يعنيه من استظلال العروبة والعداء لاسرائيل. وهي القاعدة التي حمت الوجود المسيحي في لبنان بعد التراجع عن الرهان على ما يخالف توجّه المنطقة، وبعد الكلفة العالية لـ"حرب التحرير" بعد "حرب الإلغاء".

السقوط الرابع، الذي أراده نظام الوصاية في تاريخ لبنان، كان أصعب من أن يقع، فاستبدله بالتفجير يوم 14 شباط 2005: لم يكن رفيق الحريري مسلماً أمره لحليف كما الحركة الوطنية، ولم يكن مقامراً كرئيس الحكومة العسكرية، ولم يكن كقائد "القوات اللبنانية" على نمط شخصيات شكسبير الانكليزي وراسين الفرنسي يعاند بلا أمل.

لم يكن الحريري بلا مشروع على نمط "الجنرال"، ولم يكن "شكسبيرياً" على طريقة "الحكيم". اتهمه خصومه، ربايا نظام الوصاية، بتنفيذ المشروع الشرق – الاوسطي، وتخوف محبوه من أن تقتصر رؤيته على حلول عاجلة مكلفة لأزمات موروثة.

الأولون أرادوا دفعه إلى "كشف" ورقته. والآخرون هالهم عدم اطلاعهم على أفق خطواته. وبدا لحَسَني النية أنه يطبّق مبدأ تبسيطياً للخروج من ذيول حرب معقدة: وفّر بنية تحتية حديثة في التعليم والصحة والإدارة والعقار تجلب الرساميل.

فهم الجميع لاحقا وبعد "ثمن" اغتياله واستشهاده، أن ذلك كان طريقه إلى إعادة بناء الدولة واستقلالها. ولذلك رشا، بمعنى أو آخر، وبلا تردد، نظام الوصاية ورباياه في الداخل، من "قصر الشعب" في دمشق، إلى قصورهم المعروفة والمجهولة في لبنان وخارجه. وملأ صناديقهم، الخاصة والعامة، من ماله قبل مال الدولة التي أرادوا خزينتها جيوباً لهم ولشعبويتهم. (مع ذلك يسألون عن الـ40 مليار دولار، كأنهم لا يعرفون مصيرها، ولا يلمسونها في حساباتهم المصرفية).

والرشى كانت ايضاً سياسية. تحول إلى وزير خارجية لنظام الوصاية كي يحصّن لبنان. كانت أبواب الشراكة الاوروبية تفتح لدمشق، ليمر قبول لبنان فيها. وكانت اتفاقات الدعم العربي والدولي، من "أصدقاء لبنان" في واشنطن إلى باريس 1 وباريس 2 وكل ما بينهما وقبلهما، تمشي مع "مكاسب" للنظام إياه.

كان خيار الحريري واضحا: عناد لأجل لبنان. لا عناد في مواجهة نظام الوصاية لاسقاط لبنان اكثر في هيمنته. كان نهجه التفافاً على الصعب، لا مواجهته والسقوط أمامه، حتى يأتي الظرف المناسب. وحين أتى، لم يرد قطع كل الطرق معه. يكفي التذكير بشعاره: "لبنان لا يحكم من سوريا.. ولا يحكم ضد سوريا".

اليوم، في أجواء الشحن الانتخابي الذي يمارسه رهط الباكين على زمن الوصاية، والنادمين على عدم مجاراته، ومستلحقي أنفسهم لاسترضائه، يعزف خصوم 14 آذار على وترين: "مسايرة" الشهيد الحريري نظام الهيمنة، و"تمسكه" بالحكم برغم ضربات هذا النظام ورهطه سياسياً ومعنوياً.

يقولون مواربة إنه كان عليه أن يعلن مشروعه. اي كان يجب أن يختار هرب عون أو عناد جعجع، أي أن يكون لبنان هو الخاسر الأكيد.

رفيق الحريري اختار لبنان الاعتدال الذي لا تحكمه سوريا، ولا يُحكم ضدها. واختار لبنان الكيان العربي، لا لبنان المذوب في عروبة الأنظمة الشمولية.
ولأنه أراد لهذا اللبنان ان يستعيد مكانته بين العرب والعالم، "تحايل" على نظام الوصاية.

يأخذ عليه الحاقدون، ولا سيما من المتثقفين هواة الحرب بالنظارات، أن خلافه مع الرئيس اميل لحود لم يمنع استمرار الود بينه وبين نظام الوصاية، إلى حد قبول التهديد بالقتل. ويردون ذلك إلى شهوة السلطة. يتعامون عن انها كانت شهوة إلى لبنان السيد الذي حين رأى أهل الوصاية انه يدفع كل غال لأجله، لم يتركوا له خياراً في الوصول إليه إلا أن يدفع حياته.

بعد أيام، في الاول من تشرين الثاني، عيد ميلاده الرابع والستين. وهو عمر التقاعد. لكن رفيق الحريري لم يتقاعد، ولا يبدو أنه سيتقاعد. يتابع، من تلك الدنيا، معركة الاستقلال الثاني بفاعلية، لكن بهدوء.

Exit mobile version