احتفالية محمد الأمين: أفقٌ واعدٌ للبنان
عنى الحضور الكبير اللبناني والعربي في افتتاح جامع محمد الأمين يومي الجمعة والسبت الماضيين أربعة أمور:
الأول، الإصرار على نهج الرئيس رفيق الحريري، في العيش المشترك الإسلامي ـ المسيحي، وفي الاستمرار على الصيغة المجمع عليها لذلك العيش في الميثاق الوطني الأول، وفي ميثاق الطائف ودستوره. وقد تكرّر ذلك الالتزام في كلمات المفتي قباني، والمطران أبو جودة، والمطران الياس عودة، والنائب سعد الحريري. وقد لفت الانتباه ذهاب المفتي قبّاني الى أنه لا عيش إلاّ هذا العيش القائم على التجاور والتحاور والمودّة والالتزامات الأخلاقية والسياسية المتبادلة. كما لفت الانتباه تلك المقارنة التي أقامها الراعي للاحتفال النائب سعد الحريري بين ما يحصل لمسيحيي العراق، وما يحصل للفلسطينيين في عكّا هذه الأيام، وفي القدس كل يوم. وقوله إن المسلمين والعرب يرفضون أن يؤول الأمر بالمسيحيين العرب الى التطلّع للخارج أو الهجرة أو تحالف الأقليات.
والثاني، الحضور الإجماعي للقادة الدينيين بالمشرق العربي والخليج، وبينهم شيخ الأزهر، ومفتي مصر، ووزير الأوقاف السعودي، ومفتي القدس. وقد قال شيخ الأزهر إن الصلاة بالجامع والكنيسة المتجاورتين تعني الأمن والأمان، والحوار القريب والمحبّ. في حين أرسل وزير الأوقاف السعودي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ رسائل عدة في كلمته بشأن الإنكار على التشدد والتطرف والإرهاب، وبشأن الثقة والأمل من جانب العرب والمسلمين بلبنان وتجربته في العيش المشترك والسلام والتسامح والحرية. وبذلك فقد كانت هناك رسالة عربية وإسلامية واضحة في دعم التجربة اللبنانية، وفي نُصرتها، وفي الإصرار والأمل بها وبنجاحها.
والأمر الثالث، والذي أكد عليه الحاضرون من اللبنانيين والعرب الآخرين، أن الأوطان ليست تجارب ومحاولات، بل هي حياة مستقرة ومستمرة، وعيش آمن، وانفتاح للأفق باتجاه المستقبل. وهكذا فهناك شيء من نفاد الصبر لدى الجميع مما حدث ويحدث بلبنان وله. وشيء من خيبة الأمل بالتقصير الذي يتكرر من جانب اللبنانيين على اختلاف فئاتهم تجاه وطنهم ودولتهم وعيشهم الفريد والجامع. إذ لا يمكن أن نتّهم كل الوقت العدوّ المتربّص، كما لا يمكن الاعتماد على شراسة العدوّ لتنحفظ الوحدة الوطنية. لأن أساس الوحدة هو الانتماء الواحد، وهو العيش المشترك، وبهما تقوم الدولة، وعليهما يكون الاعتماد في مواجهة العدوّ، وليس العكس.
والأمر الرابع أن هناك نوعين من الدين أو التديّن: تديّن التلاقي والتسامح والعيش الرحب، وتديّن أو تحزّب الاستقواء والكسر والشرذمة. والتعدّد الديني والمذهبي بلبنان هو فرصة في حال انتظامه وإثرائه والاعتماد المتبادَل ضمن مكوّناته، كما أنه يتحول الى عبء وعامل شرذمة وانقسام وتطاحن، في حالات الاستقواء والإحساس بالظلم والإصغاء لمطالب الخارج وإغراءاته. وقد كان لبنان ريادة وأملاً ورسالة ونموذجاً للعلائق بين المسيحيين والمسلمين. وما فشلت التجربة، لكنها لا تزال بمثابة المختبر، ولا يصحّ أن تبقى كذلك. وما كانت هناك مشكلة بين السنّة والشيعة فيه، رغم وجود المشكلات في التجارب الأخرى. ولذا يمكن أن يُصبح لبنان أملاً لهذه الناحية، وللعلاقة الودودة بين العرب وإيران أيضاً. وإذا كان قد كُتبَ على لبنان أن يُصبح موطناً لتبادل الرسائل بين المتخاصمين، فالوجه الآخر للمسألة ضرورة العمل لتطوير تجربته بحيث تكون الرسائل دالة في ايجابيتها وليس العكس. وهذا يتطلب عملاً جاداً ومسؤولاً من سائر الأطراف، وباتجاه إنجاح تجربة الدولة الديموقراطية في لبنان، والحوار والتقريب بين المذاهب والأديان.
لقد كان افتتاح جامع محمد الأمين، فرصة للتعرف على وجه آخر من الوجوه الايجابية المتكاثرة للرئيس رفيق الحريري في رؤيويته وعمله من أجل الانتماء اللبناني والعربي لتذكّر الثوابت وتجديد الالتزام بها، وفرصة أخيراً للمراجعة من أجل اجتراح انطلاقة جديدة وأفق جديد.