عن 8 آذار والأميركيين
لافتة جداً كانت بعض التعليقات التي صدرت عن شخصيات في 8 آذار، يا أخوان، حيال الزيارات الأميركية المتكررة على المستويين السياسي والعسكري الى لبنان، والتي زادت وتيرتها في الآونة الأخيرة.
جزء من تلك التعليقات جاء من بقايا مدرسة المخابرات السورية إياها، وجزء آخر قاله أصحابه انطلاقاً من الخط الموصول من بيروت الى ضواحي بحر قزوين، والذي يرى ما يراه في الأميركيين، بغض النظر عن طبيعة فعلهم، أو مضمونه أو شكله… هي فتوى تفرض ذلك الموقف المبدئي وكفى الله المؤمنين… فهمنا.
لكن بعيداً عن بعض الاختلاف في مضامين تلك التعليقات، فان ما يمكن ملاحظته وقراءته وسماعه بوضوح، هو نغمة الافتراء والتجني على 14 آذار وقياداتها من جهة وطلب الشيء ونقيضه بالنسبة الى الأميركيين من جهة ثانية… أو هكذا يبدو الأمر في ظاهره. بمعنى أوضح، فإن هؤلاء، وعلى كل مستوياتهم سألوا وتساءلوا مليون مرة وأكثر، لماذا لا يسلّح الأميركيون الجيش اللبناني، ولماذا لا يعطونه ما يحتاج اليه لبناء قدراته الدفاعية، ولماذا تقتصر مساعداتهم على بعض الأسلحة غير الهجومية، وغير ذلك من الكلام الضارب على الوتر نفسه والوتيرة ذاتها.
لكن بمجرد، ان أبدت واشنطن نية جدية (ولو محدودة يا اخوان)، في ذلك السياق التسليحي وبدأت وفودها تأتي لمتابعة الأمر، تصاعدت تلك التعليقات والتساؤلات المليونية، وجُلّها يحمل في ظاهره وباطنه أجوبة منكرة وجاهزة، وهذه بدورها تحمل كمّاً من الاتهامات الممجوجة والمعلوكة وغير المقنعة لأحد.
طبعاً لا يحمل الاتهام في ثناياه أي فضيلة أخلاقية لمطلقه ولا يحمل، قبل ذلك وفوقه، أي نقيصة مفترضة في الموجه إليه، لكن الأمر بلغ حدّاً مضحكاً في إسفافه وابتذاله ويعيد الى الأذهان (في زمن المصالحات يا اخوان) تلك اللغة الآتية من الزفت والشحتار وبقايا الخشب التي سادت قبل 7 أيار وأوصلت الى كارثة ذلك اليوم المشؤوم وتبعاته، ويصبح مضحكاً أكثر مع كل المستجدات في سياسة الشقيقة، والتي تتمحور راهناً على انتظار نتائج الانتخابات الأميركية لمعرفة ما إذا كانت الإدارة الجديدة للبيت الأبيض ستقبل أوراق الاعتماد المقدمة من قبل نظام دمشق في تركيا وغيرها.
أليس الأمر كذلك يا أهل الممانعة والصمود، أم ان الموّال نفسه لا زال يطن على هواه عندكم: زيارة معلنة، عادية، معلومة الأهداف لمسؤول سياسي أو عسكري أميركي الى لبنان الدولة والنظام والجيش، غير مسموح أن تمر من دون شتم وتعليك، في حين تفتح طرقات بأمها وأبيها في التفاوض مع إسرائيل وطلب رضى الأميركيين فلا يُسمع منكم ولا كلمة أو عطسة واحدة…
أهين هذا البلد بما يكفي يا اخوان، وعُلّق على الخشبة ما يكفي، واستُبيح أهله في كل ما يعزّ عليهم بما يكفي… لكن المفارقة ان البعض لا زال يعتقد اننا ما زلنا مجرد بضاعة في بازار الشقيقة وان الساعة تدور بالمقلوب، وان الدف الذي انفخت يمكن إعادة تلحيمه… وان الوهم يمكن إعادة صياغته وتحويله الى حقائق ببعض الكلام الاتهامي الكبير، مع انه وهم وسيبقى كذلك!
