داريوس الرابع!
في الامر مفارق .
تراقب الاطفال المرضى بالسرطان الذين تحدث اليهم مارسيل غانم في حلقة خاصة من "كلام الناس"، يقول احدهم ان أقصى أقصى طموحه ان يترك مركز العلاج ويعود الى منزله… فتخجل حتى الدمعة من معاناتهم.
يحترق القلب. احترق القلب فعلا، ونحن نشاهد النيران تلتهم بشهية غريبة امام انظارنا وعجزنا، أرزة او صنوبرة او سنديانة من عمر الخبز في جبل لبنان، فيما وئام وهاب يحكي ويحكي ويحكي مع مي شدياق في حلقة "بكل جراة" الاخيرة…. فتندم لانك لم تغير المحطة.
تستمع بالم وخوف الى تقرير جميل للزميلة تانيا مهنا عن معاناة المسيحيين العراقيين الفارين من حدّ سكين التطرف في بلادهم، فترى في دموعهم شبحا مرعبا لما قد يكون عليه مصير مسيحيي لبنان، بينما تطنطن مقدمة الاخبار "السعيدة" في الـOTV بأخبار وأخبار سخيفة فارغة الحقيقة والمضمون منقولة من مطبخ صحيفتي السفير او الاخبار ذي المصداقية والمهنية العالية، عن اقاويل نسبت الى الدكتور سمير جعجع في مصر وكان كذبها لاحقا، وغيرها وغيرها من القيل والقال… فتخجل من نفسك ولا تخبر احدا انك استمعت.
وها هو النائب ميشال عون "دليل ايران السياحي" يخبرنا بسعادة بالغة ايضا – كلهم سعداء في التيار – ان طهران نظيفة متل التلج، وفيها كل شيء رائع وشعبها عظيم ولذيذ ومضياف، وانه سيزور سوريا قريبا جدا ليخبرنا ايضا كم ان شعبها عظيم وعاصمتها نظيفة، وكل شيء كل شيء سيكون رائعا فيها خصوصا خصوصا علاقتها بلبنان واننا نحن ربما اسأنا فهمها…
طيب. كيف، كيف يمكن ان نتكيف مع كل هذه المفارقات؟
نحن سخفاء بدون شك.
أتخّيل الطفل المصاب بالسرطان ان يكون ابنا لي او ابن اخي او ابن اختي ماذا كنت لأفعل؟
او ان النيران المفتعلة بطبيعة الحال، اكلت بستاني في جبل كسروان او بيتي او الجبل الاخضر المحيط.
او اني انا مثل تلك العائلة العراقية، اصبحت هاربة مشردة من بلدي لاتحول لاجئة في بلدان الاخرين…
ثم استمع وارى كل هؤلاء. افففففففففففففففففففففف.
ننسى دائما في غمرة الحقد، ننسى حالنا.
لا شيء يحرز.
داريوس المهزوم الذي تمثل به النائب عون كان الافضل له لو لم يفعل، لان داريوس ذاك هو انعكاس كامل لصورة ميشال عون، قائد الجيش السابق. عون إما أخطأ من دون قصد في التشبيه، واما التبس عليه الامر بين داريوس الاول البطل المعروف، وداريوس الثالث الذي واجه الاسكندر وهُزم وفر تاركا عائلته وجنوده. والنائب يعرف كما نعرف نحن ويعرف الجميع من يشبه داريوس ذاك. من يشبه؟!
هي آثار الرحلة الى ايران ربما، لكن النائب عون عاد اكثر انفتاحا كما يبدو، والرحلة جعلت آفاقه اوسع اذ تخطى كل الاحداث الانية "السخيفة" في لبنان بعدما صار هناك "عالما" اكثر بخفايا الامور، وقرر انه لن يتلهى بعد اليوم "بالصغائر"!
لن نفهم كل هذا. عقلنا المتواضع لم يستوعب بعد العقل الكبير الذي "عاد" به. بعد ستة اشهر قد نفعل – قد – ونستوعب ابجديته الفارسية الجديدة.
الحيوان الشرس في شراييننا، يقول الرائع ريمون جبارة.
كلام كبير ونحن ما زلنا صغارا، صغارا جدا امام عبقرية مماثلة.
نحن عن جد سخفاء. نستمع لميشال عون، ولحفلات حقد الـ OTV، ولمقدمات الحرب على NTV ، واساطير البطولات على تلفزيون المنار، ووئام وهاب على LBC، وننسى … تلفزيون لبنان!
بالابيض والاسود هو الافضل. حول غرفتي، السراب، الضيعة بألف خير، كانت ايام، ابو ملحم، ديالا… وسحر عيني هند ابي اللمع، وصوت عبد المجيد مجذوب، وذاك الاسمر محمود سعيد…
لا حقد، لا تلفيق، لا ايران لا سوريا لا اسرائيل لا ميشال عون، لا حسن نصرالله، لا احمدي نجاد، لا ولا ولا…. لا هم ولا سواهم ولا من يحزنون.
هدووووووووء، وبقدر ما تكون جاهلا بقدر ما انت سعيد.
حزبي بعد اليوم تلفزيون لبنان، من دون ألوان طبيعية سيكام. بالابيض والاسود، وهذا صار يكفيني طالما داريوس "الرابع" لم تصل مواصيله بعد الى… تلة الخياط.