#adsense

هل تتبادل دمشق وبيروت خطوات الطمأنة؟

حجم الخط

وحْدها الثقة ترسي علاقات مميّزة وفي غيابها لن تنفع السفارات
هل تتبادل دمشق وبيروت خطوات الطمأنة؟

اياً تكن طبيعة "التنظير" السياسي في لبنان، سلباً ام ايجاباً للتبادل الديبلوماسي مع سوريا، فإن ما لا يمكن ان يكون موضع خلاف بين اثنين واقعيين، هو ان هذا التبادل يشكل الخطوة الأهم على طريق تطبيع العلاقات بين بلدين مستقلين. بيْد ان ما "يميز" تطبيق هذه الحالة بين لبنان وسوريا هو تلك الهواجس المتبادلة والموجودة عند اللبنانيين خصوصاً والناجمة عن حالة من عدم الثقة والقلق، بناء على تجارب مريرة من الماضي القريب والبعيد، ولا سيما منها حقبة الوصاية المباشرة على لبنان والتي امتدت زهاء ربع قرن.

وكذلك عند السوريين ثمة هواجس قديمة متجددة، ابرزها يتعلق بمراحل سابقة كان فيها لبنان على مر السنين مقراً حراً لكثيرين من معارضي النظام السوري او الساعين الى اسقاطه. كان ذلك في اواخر الخمسينات والستينات من القرن الماضي ولا سيما ايام "الجمهورية العربية المتحدة" وقيام الوحدة بين مصر وسوريا. وقد عانى لبنان من "تداعيات" الوحدة، وبعدها تداعيات الانفصال، اذ كان ساحة لصراعات كثيرة ولرسائل متبادلة مخابراتية وسياسية وامنية.

وبعد سنوات طويلة من المد والجزر والصعود والنزول في العلاقات مع لبنان، واقفال متكرر للحدود، دخلت سوريا حقبة طويلة من الاستقرار السياسي والامني والقبضة الحديد، في موازاة حركة ناشطة ومتنامية على الصعيد الاقتصادي في سوريا، وكذلك في لبنان وما بينهما، وبلغت هذه الحقبة ذروتها مع الدخول السوري العسكري والسياسي الى لبنان أواخر عام 1976 بتغطية اقليمية ودولية، واكبتها تغطية محلية من خلال "مناشدة" سوريا من خصوم الامس للتدخل، استتبعت بمناشدة مماثلة من الحلفاء منتصف الثمانينات بعد فلتان وحرب شوارع في العاصمة في "الوقت الضائع" ما بين الاجتياح الاسرائيلي والانسحاب السوري شمالاً وبقاعاً، وتطورات مأسوية متسارعة من خلال حرب الجبل و"انتفاضات" متنوعة حزبية وميليشيوية في صفوف الحلفاء والخصوم، آلت في النهاية الى عودة القوات السورية الى شوارع بيروت، ثم كان "الاتفاق الثلاثي" الشهير بين الميليشيات والاحزاب المتقاتلة على خطوط التماس بين شطري العاصمة، مروراً بـ"حرب التحرير" و"حرب الالغاء" وصولاً الى وثيقة الوفاق الوطني في الطائف التي تحولت دستوراً وتضمنت آلية محددة للوجود العسكري السوري في لبنان، بقيت قابلة للاخذ والرد لالتباسها ولإمكان "الاجتهاد" في تفسيرها. وبقي هذا الوجود مثار جدل واخذ ورد، حتى الخروج السوري المدوّي من لبنان في نيسان 2005 بعد تظاهرات حاشدة وغير مسبوقة اعقبت الجريمة – الزلزال التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

بقيت سوريا حاضرة بقوة في الساحة اللبنانية اقله من خلال مؤيديها وانصارها من احزاب المعارضة على اختلافها. واصابتها من خلال هذا الحضور سهام واتهامات كثيرة من خصومها في احزاب الموالاة، بلغت حد اتهام النظام بالمسؤولية عن تفجيرات امنية بلغت ذروتها بالحرب على الجيش من المجموعات المسلحة تحت عنوان "فتح الاسلام"، وباتهامات ايضاً بتحمل مسؤوليات في مكان ما في جرائم الاغتيال.

وفي المقابل دفاع عن سوريا من حلفائها ورد الاتهامات الى اصحابها "والتي لم يكن من شأنها سوى التغطية على المرتكبين الحقيقيين" واسئلة حول المستفيدين من الجريمة – الزلزال وما اعقبها من تفجيرات واغتيالات وقد اصبحت في عهدة القضاء الدولي.

وعلى طريقة "لا بد من صنعاء وان طال السفر"، اقر الجميع وبعد طول معاناة، مؤيدين وخصوماً، بأنه لا بد من سوريا في كل الظروف ولا بد من علاقات طبيعية وصحية و"ندّية" لمصلحة البلدين والشعبين الشقيقين. هذا هو الواقع فعلاً، لأن تدهور العلاقات تاريخياً لم يحمل سوى النتائج الكارثية على لبنان وسوريا وبالتأكيد على الشعبين.

وفي كل الحالات تبقى المسؤولية مشتركة عن كل تدهور بينهما. فلا سوريا جمعية خيرية لاغاثة الدول المتعثرة، ولا لبنان بريء من استجلاب اسباب الوصاية ومن ثم رفضها!

وثمة معادلة معبّرة. جداً لطالما رددها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في سياق حديثه عن العلاقات اللبنانية – السورية وتكاد تختصر المشكلة المزمنة بأن "على اللبنانيين ان يتعلموا ادارة شؤونهم بأنفسهم، وعلى الاخوة السوريين ان يتعودوا على لبنان دولة مستقلة ذات سيادة". وفي تلك العبارة، بشقها الاول، اقرار بمسؤولية اللبنانيين الذين يشكون "التدخل السوري المباشر وغير المباشر في الشؤون اللبنانية الداخلية" في مقابل مسؤولية سورية عن ممارسات خاطئة آلت الى "خراب البصرة" وقد تحدث عنها الرئيس السوري بشار الاسد أكثر من مرة.

ولعل اول الاخطاء السورية، كان ان يعهد في "الملف اللبناني" الى اجهزة المخابرات، وان يديرها ضابط منتدب مقيم في مقر القيادة السورية في عنجر. وثمة خلال حقبة الوصاية وقبل الانسحاب السوري من لبنان، مقال شهير في "النهار" للرئيس سليم الحص الذي لم يتجنّ يوماً على سوريا بل هو احد اصدقائها والمدافعين عنها ضد الكثير من الاتهامات التي اصابتها. كان عنوان المقال وفحواه ان "العلاقات المميزة بين بلدين شقيقين اقوى واكبر من ان يوكل امر ادارتها الى اجهزة المخابرات". واما الاخطاء اللبنانية، فلا تعد ولا تحصى. ويكفي التدخل، من اي جهة اتى، ان يجد من يشكو اليه شأناً سياسياً داخلياً بحتاً، او من يسعى عبره الى النيابة او الوزارة او الى اي وظيفة، بأي ثمن…

وأما وقد استجابت سوريا لمطلب لبناني وعربي ودولي واعلنت رسمياً بلسان الرئيس الاسد شخصياً اطلاق العلاقات الديبلوماسية مع لبنان – وثمة من يتحدث عن توجه سوري قديم في هذا الاتجاه – فقد بات من الضروري والملحّ ان يحسن اللبنانيون التعامل مع هذا القرار التاريخي فعلاً، بعيداً من الاحكام المسبقة وحملات التشكيك، وان يحسن السوريون طمأنة المشككين، بعيداً من تصريحات بعض المسؤولين التي تحدث "نقزة" عند هؤلاء وتزيد شكوكهم.

واما الحديث عن "احتمال" تحول السفارة مركزاً جديداً للوصاية بدلاً من عنجر، فيبعث أحياناً على الحيرة، ولا يخدم فتح صفحة جديدة. وفي كل الحالات، من غير الجائز التلهي بالدفاع المستميت عن بقاء المجلس الاعلى السوري – اللبناني او الغائه. فالعلاقات المميزة اقوى واكبر من ان تكون رهناً بهذا المجلس او ذاك. لانها هي التي تبني المجالس، لا العكس. واذا كان لا بد من المجلس لاحقاً، لِمَ لا؟

وقطعاً، الاهم قبل كل شيء، استعادة الثقة المفقودة… وحدها الثقة، لا المجالس ولا لجان التنسيق، ترسي علاقات مميزة واخوية بالفعل. وفي غياب الثقة عبثاً يحاول المحاولون أياً يكن حجم السفارة في لبنان او في سوريا. ورحلة الالف ميل تبدأ بخطوة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل