حرارة العلاقات اللبنانية ـ السورية تُلهب ملف المفقودين
نضال بكاسيني
مع بدء استعادة الحرارة في العلاقات اللبنانية ـ السورية والتي استهلت بزيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الي سوريا للمشاركة في القمة اللبنانية السورية في 13 اب الفائت والتي اعلن على اثرها اعادة تفعيل اللجنة المكلفة معالجة قضية المفقودين في البلدين، استبشر اهالي المفقودين خيرا« كانوا تلمسوا خيوطه قبل شهر وتحديدا في تموز اثناء زيارة قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى لبنان كان سبقها تسرب معلومات عن وفاة لبنانيين في سجن صيدنايا عند حدوث بلبلة فيه الا ان شيئا عن ذلك لم يتضح بعد.
في الاونة الاخيرة وتحديدا في الايام القليلة الماضية سجلت مؤشرات ايجابية كان آخرها اصدار مرسوم رئاسي سوري بفتح علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا، الامر الذي اعاد فتح الابواب امام عودة البحث في قضية المفقودين، خصوصا وان جرعات الامل كانت اعطيت للاهالي عبر خطاب القسم ومن بعده البيان الوزاري اللذين شددا على التزام القضية باعتبارها احد المداخل المهمة لانتظام العلاقات بين البلدين.
الاهالي الذين لم يملوا الانتظار ولم يستسلموا للتهديدات السورية واللامبالاة والتعتيم الذي خنق قضيتهم طوال سنين الوصاية كما ملفات كثيرة اخرى محاها النظام السوري، يبدون اليوم اكثر قوة وتفاؤلا« باقتراب فرج لطالما ترقبوه.وعلى الرغم من ان كل الحركة لم تثمر حتى الان شيئا من البركة لجهة تغيير شيء في المعطيات او الاجراءات، الا ان كل العناوين تحمل في ما تحمل الامل بفرج قريب يكون بحجم ذلك الذي عاشه اللبنانيون منذ اشهر بعيد تحرير اسراهم وجثامين شهداءهم من سجون العدو الاسرائيلي.
لم يحز ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية خلال عهد الوصاية التي حاولت دوما» تضليل الحقائق الاهتمام اللازم.في تشرين الثاني 1996، صرح رئيس الجمهورية انذاك الياس الهراوي امام حشد طالبي بوجود »210 معتقلا لبنانيا في سوريا بينهم مئتا مسلم وعشرة مسيحيين.« كان ذلك اول اعتراف رسمي لرئيس جمهورية بعد رسالة وجهت من قبل منظمة هيومن رايتس ووتش الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك باعتباره صديقا لرئيس الوزراء انذاك الرئيس الشهيد رفيق الحريري. بعد هذا التصريح صدر عن الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في 5 اذار 1998 قرار قضى باطلاق سراح 130 موقوفا لبنانيا والاحتفاظ ب25 اخرين دينوا بتهمة التجسس لاسرائيل الا انه لم يفرج الا عن 121. ومن بعدها أفرج عن معتقلين آخرين على ثلاث دفعات.
وعلى الرغم من الاعتراف السياسي الواسع بقضية المفقودين خلال السنوات الثلاث الاخيرة وتبنيها من قبل الحكومات المتتالية في بيانها الوزاري كما والاجماع عليها في طاولة الحوار الوطني في اطار بند العلاقات اللبنانية السورية وورودها في وثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله، الا انه وحتى اليوم لم يتم التوصل الى خطوات عملية تضع المشكلة على طريق الحل وقد ساهمت الظروف السياسية المتردية منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري دورا اساسيا في عدم تحقيق اي تقدم لانهاء هذه الماساة.
وقد أعطى انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان جرعة أمل جديدة للاهالي والمعنيين خصوصا» وأن خطاب القسم كان تطرق الى قضية المفقودين، وعلى الأثر بادرت 16 جمعية ومنظمة متابعة للقضية الى التوقيع على مذكرة وجهتها الى سليمان طالبته من خلالها بجعلها أولوية في البيان الوزاري للحكومة واعتبارها جريمة ينبغي تحويلها الى لجنة تحقيق دولية في قضية المعتقلين والمخفيين قسرا في السجون السورية وطرحت تصورا مشتركا للحل انطلاقا من خبراتها ومتابعتها لها.وقد لبى البيان الوزاري للحكومة الحالية هذا الطلب بان افرد حيزا كبيرا لقضية المفقودين، واعلنت الحكومة من خلاله التزامها متابعتها و»التعاطي معها بكل المسؤولية المطلوبة لانهائها باسرع وقت ممكن »، معتبرة ان ذلك »يكاد يشكل احد المداخل المهمة في انتظام العلاقات اللبنانية_السورية ».
بين القانون والواقع
لا يسمح الاتفاق القضائي المعقود بين الحكومتين اللبنانية والسورية (1951) لقوات الاخيرة باعتقال لبنانيين، كما لا يسمح بنقل لبناني من ارضه الى ارض اخرى بحسب معاهدة جنيف الرابعة( 1949)باعتباره يشكل خرقا للقانون الدوليظزوينص الاتفاق القانوني على ان النيابة العامة السورية تستطيع طلب لبناني ارتكب جرما» على اراضيها ويمكن للدولة اللبنانية رفض تسليمه اذا درست الملف وكان لها الحق في معاقبته في لبنان.لكن القوات السورية لم تأبه يوما الى القوانين وغالبا ما عملت على خطف مواطنين لبنانيين معارضين لسياستها ورمتهم في سجونها بتهمة التعامل مع اسرائيل او العاتداء على السوريين او الانتماء الي تيارات واحزاب مناهضة لسياستها.وقد وثقت »منظمة مراقبة حقوق الانسان«الاميركية بين عامي 1995 و1997 »حالات اختفاء جديدة لعدد من اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين اللبنانيين من قبل الاستخبارات السورية التي اقتادتهم الي معتقلاتها بمفردها او بالتعامون مع الاجهزة الامنية اللبنانية«.
هذا وتعرف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الاشخاص من الاختفاء القسري، الصادرة عن مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدةعام 2006، الاختفاء القسري«بالاعتقال او الاحتجاز او الاختطاف او اي شكل من اشكال الحرمان من الحرية«زوبحسب المادة 569 من قانون العقوبات اللبناني ومن مواد الاتفاقية الدولية فانه ينبغي على الدولة ان تعمل جاهدة لمعرفة مصير مواطنيها الذين تعرضوا لجريمة الاخفاء القسري .كما انه وحسب المادة الاولى من هذه الاتفاقية لا يجوز التذرع باي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الامر بحالة حرب او التهديد باندلاع حرب او بانعدام الاستقرار الداخلي او باية حالة استثنائية اخرى لتبرير الاختفاء القسري.كذلك ينبغي على الدولة ووفقا للاتفاقية عينها اتخاذ التدابير الملائمة للتحقيق في قضايا الاخفاء القسري وتقديم المسؤولين الى المحاكمةعلى اعتبار انهم قاموا بجريمة ضد الانسانية(حسب المادة الخامسة).
كما وتنص المادة 12 على ان »تكفل كل دولة طرف لمن يدعي ان شخصا وقع ضحية اخفاء قسري حق ابلاغ السلطات المختصة بالوقائع.وتقوم هذه السلطات ببحث الادعاء بحثا« سريعا» ونزيها»، وتجري عند اللزوم ومن دون تأخير تحقيقا» متعمقا» ونزيها».تتخذ تدابير ملائمة عند الاقتضاء لضمان حماية الشاكي والشهود واقارب الشخص المختفي والمدافعين عنهم، فضلا» عن المشاركين في التحقيق من اي سوء معاملة او ترهيب بسبب الشكوى المقدمة او اية شهادة يدلى بها.
في هذا السياق يوضح عضو لجنة حقوق الانسان النيابية النائب غسان مخيبر »انه يجب التمييز بين المعتلقين اي المحكومين المسجونين والمفقودين الذين هم ضحايا الاختفاء القسري»، مؤكداً »وجود اثباتات ودلائل على ان الضحايا اللبنانيين اوقفوا بشكل مخالف للقانون إما من قبل اجهزة لبنانية اوميليشيات وتم تسليمهم الى سوريا التي لا تعترف بوجودهم ما يفقدهم الحقوق التي توفرها لهم القوانين والمعاهدات الدولية«.
ويضيف: »هناك 740 حالة تقع في خانة الاختفاء القسري وهؤلاء هم موضوع المطالبة وليس المحكومين المسجونين الذين يزورهم أهليهم«، معتبرا« »ان عدم وجود اي تقدم في الملف هو بحد ذاته مشكلة، كما وأن نتائج زيارة رئيس الجمهورية الى سوريا ما زالت غير واضحة لجهة مدى تحريك ملف المفقودين، » من دون ان ينفي »ان طرح المشكلة على مستوى رؤساء الجمهورية خطوة جدية الى الأمام من قبل الرئيسيين السوري واللبناني لكن المطلوب متابعتها للوصول الى حل».
ويرى ان »الحل يكون عبر اللجنة اللبنانية-السورية، ولتحريك الملف يجب الفصل ما بين ما تدعيه سوريا من وجود مفقودين لديها في لبنان علما ان ذلك ما كان ليحصل في لبنان إلا بعلم ومعرفة من سوريا التي كانت متحكمة بزمام الأمور ».
ويتابع« في فترة الحروب اللبنانية كانت الأراضي اللبنانية خاضعة لحكم ميليشيات وسلطات مختلفة في حين ان الأراضي السورية ومنذ العام 1975 خاضعة للسلطة المركزية نفسها ولديها كل المعلومات عن الداخل او الخارج، لذلك لا يمكن مقارنة الحالتين.يجب الفصل بين ضحايا الاختفاء القسري لأي جنسية انتموا، واتخاذ موقف من اجل تصحيح العلاقات اللبنانية السورية التي هي احد المداخل الإلزامية لحل القضية عبر جلاء كل الحقيقة بعودة الاحياء او رفات الأموات. من قبل لم يكن هناك ارادة سياسية لبنانية رسمية جامعة لحل هذه المعضلة، لكنها الآن اصبحت موجودة وعلى السوريين المبادرة الى الحل».
أنابيلا هلال
الوصيفة الأولى لملكة جمال لبنان لعام 2006 انابيلا هلال التي جندت نفسها منذ انتخابها لخدمة القضايا الحقوقية الانسانية ومن ضمنها هذا الملف وشاركت في العديد من التظاهرات المطالبة بالافراج عن المعتقلين، زارت مكاتب جريدة« المستقبل »واعتبرت ان »فرحة اللبنانيين لن تكتمل إلا بعودة المعتقلين في السجون السورية الذين كان من المفترض ان تكون قضيتهم اسهل، وأقل صعوبة كون سوريا دولة غير عدوة«، معربة عن املها في ان تكون زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى سوريا بادرة حل للعقدة رأفة بذوي المعتقلين ومعاناتهم الطويلة الذين التمست من خلال دراستي لحقوق الانسان، مدى المعاناة التي يتحملونها خصوصا« وان مصير ابنائهم معلّق بين الحياة والموت.« ودعت »الأهالي الى أن يتحلوا بالصبر وأن يبقى ايمانهم بربهم كبيراً وأن يثقوا بالرئيس سليمان الذي يعول عليه الأمل في تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف«، مشددة على ان »القضية ليست سياسية رغم محاولات البعض إلباسها هذا الطابع.هي انسانية بحت ومن حق الجميع معرفة مصير مفقوديهم»
وتابعت »ما أجمل الشعور في ان يعود أسير محرر أو شهيد الى كنف عائلته، وقد شهدنا ذلك في عيون عائلات المحررين في السجون الاسرائيلية. الملف معقد جداً لكن الديبلوماسية والمفاوضات تصنعان المعجزات ولن يرتاح اللبنانيون الا بعد معرفة مصير مفقوديهم واستلامهم احياء كانوا ام امواتا.«
ورات »إن قول نحن قوم لا نترك أسرانا في السجون ينقصه البريق لأنه لن يتغنى به كل اللبنانيين إلا بعد معرفة مصير المعتقلين في السجون السورية الذين دافعوا عن القضية آنذاك«، ولفتت الى« ان الملف معقد جداً لكن الديبلوماسية والمفاوضات تصنعان المعجزات لضمان حقوق الأسرى وذويهم والكرة في ملعب العهد الجديد اي الرئيس سليمان.«
وأوضحت »ان المرأة تلعب دوراً كبيراً في كل المجالات، وبما أن السيدة اسما الأسد هي ام وشقيقة ومسؤولة عن عائلة، ونظراً لاحترام اللبنانيين لها والعلاقة الأخوية بين الشعبين اللبناني والسوري، نطالب بأن تستلم هي (اي اسمى الأسد) الملف لأنه ربما وبفعل حسّ الأمومة لديها فهي تعرف ما تشعر به الأمهات او الأخوات اللواتي فقدن أباً، أماً، أخاً، أماً، إبناً، وتساهم في تحريك الملف«.
وقالت«منذ ان شاركت في انتخاب ملكة جمال لبنان وحتى تخرجي من الجامعة، كان هدفي المساعدة في مشروع اجتماعي وإنساني من هنا كانت متابعتي لهذا الملف«، مشيرة الى«أنه مرفوض ان يبقى مصير اي انسان مبهماً، وآامل في ان يقفل الملف.«
لوائح…واسماء
أمام مبنى الاسكوا وفي حديقة جبران، اعتاد اهالي المفقودين التجمع يومياً علّهم يطفئون حرقة ما زالت تشتعل حتى اليوم في قلوبهم.منذ 11 نيسان 2005، لم ينفكوا ينشطون بلا هوادة لتحرير أبنائهم بعدما ازيح عنهم شبح ملاحقة القوات السورية بانسحابها من لبنان.هم الذين تحدّوا طلبات وجّهت اليهم من قبل وزارة الدفاع في عهد الوصاية بالتوقيع على شهادات وفاة لاولادهم بغية اقفال ملفهم متجاوزة أوجاعهم على اعتبار انه لم يعد من معتقلين لبنانيين في السجون السورية، عملا« بالقانون الذي اصدرته لجنة تقصي الحقائق برئاسة العميد سليم ابو اسماعيل في عهد حكومة الرئيس سليم الحص والتي شكلت في 21 كانون الثاني من العام2000، اعتبار دحضته دفعات المعتقلين الذين اطلقتهم سوريا على أربع دفعات خدمة لأغراض سياسية وضمت معتقلين كان طلب من اهليهم اعلان وفاتهم قبل شهرين من الافراج عنهم امثال ناجي حرب الذي اطلق سراحه في كانون الاولمن العام نفسه.
في حوزة (لجنة اهالي المعتقلين في السجون السورية)« سوليد« لائحة تضم 640 مفقودا في السجون السورية، وكانت اللائحة اقتصرت قبيل الانسحاب السوري على 280 اسما بسبب الخوف من قبل الاهالي وتكتمهم على الموضوع.
تعود جذور ملف المفقودين اللبنانيين الى العام 1973، تاريخ سريان العمل بمبدأ تطبيق قانون الطوارىء في سوريا مع دخولها الاراضي اللبنانية. وقد اجاز هذا القانون، الذي وضع في العام، 1963للسلطات السورية اعتقال اشخاص من دون توجيه اية اتهامات اليهم ومنحها الحق في الاحتفاظ بهم عرفيا من دون اية محاكمات قضائية.وبناء عليه تم توقيف الالاف من اللبنانيين اطلق تدريجيا عدد كبير منهم، كما توفي اخرون بسبب سوء المعاملة والتعذيب والاستدعاءات غير القانونية، فيما لا يزال المئات مخفيين قسرا في السجون السورية من دون الافصاح عن اسمائهم واماكن وظروف اعتقالهم .
ويوضح رئيس اللجنة غازي عاد » ان الاعتقالات بدأت مع دخول الجيش السوري الى لبنان الذي بدأ تطبيق قانون الطوارئ من دون اي مسوغ قانوني ومن دون الرجوع الى القضاء اللبناني، وهذا مثبت في تقرير نقابة المحامين في بيروت الى لجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة عام 1997 الذي قال إن ذلك حصل خارج اطار القانون». ويشير الى» ان الاعتقالات كانت تتم اما مباشرة اي عن طريق الجيش السوري (كالحواجز ودخول المخابرات الى بيروت)، وإما عن طريق الميليشيات المتحالفة مع سوريا قبل العام 1990، وبعده على يد سلطات امنية لبنانية من نحن لا نطالب بكل المفقودين في لبنان بل بالذين اعتقلوا على يد القوات السورية وبمعرفة مصيرهم«.
ويلفت الى ان المحظوظين من الأهالي عرفوا اماكن وجود المعتقلين ولم يبلغونا عنها حتى لا يخسروا الاذن بزيارة اولادهم. كما ان المعاناة وحق معرفة مصير المعتقلين قضية انسانية، لكن سبب الاعتقال سياسي ومن هنا الحاجة الى قرار سياسي »، معربا«عن تفاؤله بعدما اصبح هناك قرار سياسي لبناني سوري لحلّ الملف».ويوضح ان »اللوائح الموجودة لدينا ليست نهائية لاسباب عدة ابرزها ان بعض الاهالي ممن لديهم اذونات خاصة بزيارة اولادهم يخافون من منعهم في حال صرحوا بوجودهم وبعضهم الاخر يخافون من ردة فعل مخابراتية سورية، فيما يفضل قسم حل الموضوع من خلال وساطة مسؤولين مقربين من سوريا.في العام 1998 مثلا افرجت السلطات السورية عن 121 معتقلا لبنانيا« وردت اسماء 4 منهم في اللوائح وتكرر ذلك في العام 2000 عندما افرج عن 56 ورد 12 منهم على اللوائح فقط.«
أما في موضوع صيدنايا، وفي ظل غياب الشفافية حتى الآن، فيشير عاد الى حصول لجنة سوليد على المعلومات من مصادر متعددة كالمرصد السوري لحقوق الانسان في لندن الذي اشار الى وجود 25 قتيلاً، ولجنة الأهل للمعتقلين الأردنيين في سوريا التي اشارت الى وجود خمسة اردنيين وعدد من اللبنانيين والسوريين»، مؤكدا »ان كل الارقام تبقى مبهمة خصوصا في ظل وجود معلومات سورية تشير الى وجود 9 قتلى مجهولي الهوية ولم يعرف ما اذا كانوا من الحراس او من المعتقلين».
ويختم: » المسؤولية كبيرة، ونحن سنكمل المسيرة مهما كانت الظروف لنبقي القضية حية وحاضرة حتى الوصول الى حل وبلورة اكبر للقرارات السياسية، وهذا ما يظهر في الجهود السياسية اليوم والتي نعول عليها لتحقيق خروج وعودة آخر معتقل لبناني في سوريا«.
نقمة.. وامل..وضياع
في عيون ذوي المعتقلين التي جفّ منها الدمع تتجلى نقمة كبيرة وخوف ما زال يسكنهم من انتقام سوري تدعمه عودة سابقة لبعض المعتقلين جثثا« من سوريا أمثال عادل عجوري وخالد العسّ وجوزيف حويس.خوفهم القائم فيهم لم يحل دون اكمال ما بدأوه، فتراهم لا يعدمون وسيلة للفت النظر الى قضيتهم من أجل وضع حدّ لمأساة يتعايشون معها منذ عشرات السنين.في حوزتهم يجمعون الصور والوثائق التي تثبت وجود أبنائهم في المعتقلات السورية من رسائل وأذونات بالزيارة لرؤية ابنائهم داخل السجون السورية وشهادات من معتقلين سابقين . وثائق لم تحظ يوما« باعتراف المعنيين ان في سوريا او في لبنان، ولعلّ في قصة كيتل الحايك الذي اعتبر القاضي ان اذن الزيارة الموجود لدى والدته ليس دليلا كافيا على وجوده في سوريا في العام 1996ثم
تروي قريبة الأب البير شرفان الأنطوني حادثة اختطافه في 13 تشرين من العام 1990 من دير القلعة والاب سليمان ابي خليل.تتحدث عن اثباتات تؤكد وجوده في السجون السورية اذ« ان بعض المساجين كانوا معه وأكدوا انهم قابلوه وجلسوا معه لفترة.كما وأن منظمة حقوق الانسان في المانيا اكدت عبر Email أرسلته وجود أب في السجون دفعنا اموالاً كثيرة وذهبنا الى سوريا مرات عدة لكننا لم نستطع رؤيته بعدما تنقل بين سجون مختلفة».وتتابع »الشاهد وصفه وصفاً دقيقاً وكل المعلومات مثبتة عند اللجنة المكلفة متابعة القضية لقد اصبح عمره 73 سنة فماذا يريدون منه بعد؟
وتشدد على »ان الاهالي يزدادون عزماً وقوة في سبيل عودة ابنائهم لأن النار لا تكوي إلا صاحبها ومن حقنا ان نعرف مصير مفقودينا احياء كانوا ام اموات .ما هي جريمتهم، ولماذا لم يحرورهم بعد«.
انجاد المعلم ابنة عبد الهادي المعلم الذي اعتقل اثناء عودته من الثكنة على يد ميليشيا لبنانية سلّمته بدورها الى السوريين تؤكد ان»والدي موجود في سجن الطاحونة وقد حاولنا رؤيته لكننا لم ننجح.حُرمنا من رؤيته وحتى من كلمة بابا لسنوات طويلة وحرقتنا كبيرة. فرحنا جداً بعودة الأسرى من السجون الاسرائيلية، لكن بقيت الغصة في قلوبنا، ويبقى الأمل في عودة مفقودينا في سوريا.
وقد خلفت هذه القضية بتعقيداتها ومصاعبها آثاراً نفسية كبيرة عند أهالي المفقودين تظهر في قلق يعتريهم وضياع يتجلى بوضوح خلال الحديث معهم.وكأنهم يعيشون على وتيرة الموت البطيء بانتظار احبة غادروهم من دون الاعلان عن موعد عودتهم اليهم. يتوهون في ذكريات وقصص عاشوها معهم يطغى عليها الفصل الاخير المتجسد بماساة يعايشونها منذ اختفائهم وبعدهم عن عيونهم .الاختصاصي في علم النفس الدكتور ربيع شماعي يتحدث عن الخلفيات النفسية للموضوع، فيشير الى أن مشكلة الأهالي هي انهم لا يعرفون مصير اولادهم إن كانوا احياء ام اموات، وهم في حال كانوا اموات لا يستطيعون إقامة مراسم الدفن والحداد لأنهم غير متأكدين فعلياً ولم يتسلموا جثامينهم، لذلك فهم في حالة عذاب مستمر وقلق وعدم استقرار نفسي على جميع الأصعدة».
ويلفت الى »ان وسيلة الضغط تؤثر في نفسية السياسي، وفي الوقت عينه فهي تجعل الاهالي يشعرون بأنهم قادرون على فعل اي شيء في سبيل تحقيق عودة من فقدوا كما انها تساعدهم على التعبير أكثر».
وجوه التعذيب
أساليب التعذيب التي استعملها المحققون السوريون خلال التحقيق مع المعتقلين بكل اشكالها تصنف بانها مخالفة للقوانين الدولية والاتفاقات.وهي وان تعددت اساليبها فانها تجتمع على تحقيق العذاب والالام التي كثيرا ما تنتهي الى امراض واعاقات.ومن هذه الاساليب الكهرباء على الأطراف والضرب المبرح بالأحذية، والدولاب حيث يجلس السجين داخل الدولاب ورجلاه عالياً ويجلد على قفا رجليه، الى السياط المصنوعة من الحديد المستعمل في البناء والكرسي الألماني حيث يجلس المعتقل على كرسي حديدي وتشبك يداه فيها ويضرب.هذا بالاضافة الى اسلوب تعليق اليدين في السقف، واسلوب بساط الريح بنسخته السورية حيث كان يلقى السجين في الهواء ويسقط على رفاقه، ناهيك عن قلع الأظافر والحروق، والكدم واللكم والضرب والربط واللبط والبوكس وغيرها الكثير من الأساليب التي تفنن الجلادون بها، فتفوقوا ليس فقط على ذاتهم إنما على أعتى جلادي النازية والفاشية وحتى ابو غريب.