
لماذا أصبح معيبا" أن تكون عونيا"؟
(الحـلقة الـحاديـة عشرة )
ميشال عون.. من "بيت الشعب"في بعبدا، الى قصر الشعب في الشام.
مَنْ يراقب حركية النائب ميشال عون في الآونة الأخيرة ، خاصة مواقفه المعلنة تجاه الجمهورية العربية السورية التي يحكمها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي برئاسة نجل الرئيس الأسبق حافظ الأسد السيد بشار الأسد ..
ومَنْ واكب عون سنوات طويلة ، ومَن تابع خطواته العسكرية والسياسية منذ أنْ قُدِّر للرجل تسلـّـم مراكز قيادية داخل المؤسسة العسكرية ، يعلم تماما" أنّ مجده الباطل الذي بناه على أكتاف العسكر والضباط والأنصار والمؤيدين والمقتنعين هؤلاء بمعظمهم تمكّن من تحويلهم الى مجرّد قطيع يسوقه كما يحلو له ، وهو لم يخفِ هذه الحقيقة لا بل أقول هذه الواقعية تجاه من صدّقه ووثق بخطابه حتى أمام عارفيه ، وهنا على سبيل المثال لا الحصر وخلال الحصار المفروض من قبل حكومة الهراوي يوم كان الأخير يحكم من المنطقة الغربية ، وبعد التوصل مع عون عبر مفاوضات شارك في جزء منها السيد الياس حبيقة ، وأثناء الطلب من عون تخفيف لهجته تجاه السوريين والحكم المتمثل بالهراوي انطلاقا" من خشية كيفية التبرير للجماهير الرابضة والمخيمة في باحات "بيت الشعب"، كان جواب عون الدائم " لا تخشوا هؤلاء فبكلمة مني يتحولون، فاذا ما قلت شمال قالوا شمال واذا ما قلت يمين مشوا مع اليمين".. وبالفعل هذا ما فعله الرجل منذ عودته الميمونة الى بيروت ، وحتى ما قبل هذه العودة التي توّجها بإيفاد رسول من قبله الى الشام محملا" إيّاه هدية للنظام السوري ، لا ندري حقيقة مضمونها ، ولكن المؤكّد أنه سوّق لهذه الهدية العونية بمسعاه لعقد طاولة مستديرة تضمّ من عدادها السوريين ، هذا هو أسلوب الرجل مع الآخرين ، عندما يريد شيئا" ما، يروّج له قبل فترة على طريقة الترويج الإعلامي ـ الاعلاني والدعائي كأي مُنتج تجاري يرغب مُطلقه أن ينتشر في الأسواق فيبدأ بالحملة الاعلانية بشكل يدفع المستهلك للتدافع لاقتنائه ، وهكذا كان اسلوب عون الدعائي البروباغندي تجاه ناسه ومؤيديه ، لدرجة أن البعض منهم ولكثرة انعدام الرؤيا وانْمساح الفكر وزوال المنطق ، ما عادوا يتمكنون من ترجيح عقلهم ، وأنا أفهم هؤلاء لأنني كنت من عدادهم منعدم التقييم الى أن قضى الله فيّ فأعادني الى صوابي واسترجعت قدرتي على التحكّم في عقلي وفكري وبذلك استرجعت لغة المنطق بعدما فقدتها لسنوات طويلة .
واليوم فقط ،علمت وتأكّدت مليا" وجديا" لماذا استقدم عون بعض المرتزقة وجعلهم نوابا" على جمهوره ، واليوم بدأت أفقه معنى إبعاد الصقور في التيار حتى الطرد النهائي ، وإحلال بعض الموظفين الذين تقتصر وظيفتهم على الموافقة والايماء بحني الرأس موافقين على ما يقول..
وما الدعوة التي وجهها رئيس سوريا السيد بشار الأسد الى النائب عون مشرّعا" أمامه أبواب قصر الشعب السوري ، سوى دلالة على التنسيق المفتوح والفاضح بين عون والنظام السوري منذ عقود من الزمن ، وقد لاقاه أحد رفاق عون الجدد المستقدمين حديثا" الى الأراضي اللبنانية والذين جعل منهم نواب الأمّة بكلام يُشرح القلب " إنّ دعوة سيادة الرئيس بشار الأسد وسام ونيشان على صدر العماد عون ".. ليلاقيه عون بعد يومين من الدعوة الميمونة بكلام لم يخلو من اللياقات التي لطالما لم يتفوه بها الرجل مع اللبنانيين من نواب وسياسيين ومسؤولين ..
نوابنا "بسينات" ، وشعب 14 آذار "بناديق"، والرئيس الجميّل " ما بيوصل لتحت زنارو"…
غريب أمر هذا الزويعم اللبناني الذي عوّد اللبنانيين على قاموسه السياسي المليء بإهانة الآخرين والتجريح بهم والتطاول على المقاماة الروحية منها والسياسية ، بينما نجده في التخاطب الاقليمي
وتحديدا" مع السوري شخص يمتاز بالهدوء والسلاسة والمفردات الطيبة كما فعل بردّه على دعوة الرئيس الأسد ، وعندها فقط ، في لحظة التناغم والغنج المطلق بيه وبين الأسد ، إستعدتُ مشهد جنودنا يسقطون أمام الاجتياح السوري في 13 تشرين الأول ، وكم كان الأجدى به لو أنه ربط زيارته الى الشام باستعادة المعتقلين والمخطوفين في السجون السورية..
وفي قراءة سريعة لمنهجية عون القديمة ـ الجديدة في تعاطيه مع السوريين ، يتبدّى لنا بأنّ الرجل خطط للمرحلة الحالية منذ سنوات طويلة ، وهو أعدّ لخطة العودة معهم عبر سماسرة لبنانيين ..
والقراءة الموضوعية لهذه المنهجية المبرمجة تدفعنا الى إعادة النظر في أهم المحطات التأسيسية لحالة عون الشعبية ، والتي قامت على إعتماد المحاور التالية :
المحور الأول : إستغلاله لمنصبه العسكري وإستثمار البذة العسكرية
المحور الثاني : التصويب على تجاوزات للميليشيات
المحور الثالث : العداء الظاهر لسوريا والتخطيط الباطني معها .
بالنسبة لاستغلال منصبه العسكري ، لا بدّ من التأشير في هذا المجال الى أنّ ميشال عون من أكثر قادة الجيش اللبناني الذين استغلوا مناصبهم العسكرية ، وهو الأكثر استثمارا" لهذه المناصب لدرجة يمكننا القول أنه حوّل المؤسسة العسكرية لخدمته الشخصية ولتحقيق مآربه الآنية ، واذا ما طرحنا السؤال ، كيف كان له ذلك ؟ الاجابة واضحة عندما نقترب أكثر فأكثر من الحالات الشاذة داخل المؤسسة العسكرية بحيث أن ضباطا" وأفراد كان ولاؤهم لشخص ميشال عون وليس لقيادة الجيش ، وهذه الواقعية تجلّت في العديد من المحطات التي إستغلها عون لإظهار حكرية عون للمؤسسة العسكرية وكأنها تابعة له ، وهنا نتوقف عند الكلام الذي أعلنه عون خلال حرب نهر البارد ، حيث انبرى منزعجا" من سقوط شهداء من صفوف 14 آذار ليطلّ قائلا" أنه ليس فقط لهذه القوى شهداء " فأنا يسقط لي كلّ يوم عشرة شهداء في نهر البارد "..
وهذا الكلام إن دلّ على شيء ، فهو يدلّ على أن عون لا يزال يعتبر المؤسسة العسكرية تابعة لإمرته، أو على الأقل دعنا نقول أنه لا يزال حتى الساعة يعتبرها من عِـداد الموالين له ، وهو يتصرّف على هذا الأساس وبالتالي يسمح لنفسه أن يسخّر هذه الطاقة خدمة لمصالحه ..
والواضح حتى الساعة أن مشروع الرجل لم يتبدّل قيد انملة تجاه تأمين المصالح المزدوجة ، أي مصلحة عون السورية ، ومصلحة سوريا العونية .. هذه هي المعادلة التي انتهجها الرجل منذ سنوات طويلة ، والتي لم نفهم معناها الاّ متأخرين وبعدما تمادى الرجل في تطبيقها والتي يستمر في دفعها باتجاه تحقيق هذا الازدواج في المصالح ، وهو تبعا" لذلك تلّقف دعوة الأسد برحابة صدر وانشراح، وهو تبعا" لذلك سبق له أن أعاد تموضعه مع المجموعات الموالية لسوريا منذ ما قبل عودته من فرنسا التي كانت محطة للعديد من الرموز السورية ، كما وللعديد من المسؤولين السياسيين والعسكريين السوريين .. حقيقة الرجل أنه الحالة السورية في لبنان بامتياز ، والحقيقة أنه وبالتنسيق مع النظام السوري ركّب لكل الحروب والمواقف العدائية في الظاهر فقط من أجل إنجاح المخطط والهادف في نهايته الى استنهاض المسيحيين وجذبهم الى عون مع ما ترافق ذلك من شحن ضدّ القيادات المسيحية الأخرى وعلى رأسها القوات اللبنانية التي تحوّل عون معها من مدرّب في صفوفها الى إعلانه حربا" لإلغائها ، وهذا التدرّج كان مدروسا" ومنسّقا" ومخططا" له مع السوريين منذ سنوات طويلة والتي تخللها زيارتين لعون الى الشام حيث بدأت عملية إستدراجه ودغدغة جموحه الرامي للقبض على السلطة ، من هنا نكتشف العلاقة الوطيدة بينه وبين السوريين والتي يتوجونها اليوم باصطفاف المجموعات السورية في لبنان الى جانب عون وبشكل مطلق ، ولعلّ السيد وئام الوهّاب والسيد ناصر القنديل عبّـرا ويعبران عن هذه المشهدية السوريالية في الدعم المطلق
الذي يتلقاه عون من السوريين ، والتدرّج المتبع بدأ من أسفل الهرم صعودا" الى أعلاه.. وأعني بذلك أن كشف المستور بين عون والسوريين بدأ يظهر على العلن منذ الرحلات المكوكية للحود الإبن ومعه بقرادوني ومن ثمّ تتالت الزيارات لبعض المحسوبين على سوريا ..
ومن ثمّ بدأت المواقف السورية بالتصاعد بداية مع ما قالته الوزيرة بثينة شعبان بتاريخ 21/8/2007
" النائب ميشال عون قاتل من أجل الاستقلال ، ووحدة الرؤية معه طبيعية "
مرورا" بكلام الوزير وليد المعلّم الذي ذكر اسم عون والرابية أحد عشر مرة في مؤتمره الصحافي ، والتتويج الكبير كانت مع الدعوة التي وجهها رئيس سوريا السيد الأسد لعون وتحديدا" لاستقباله في قصر الشعب ، وهو تعمّد للدعوة أن تكون في قصر الشعب ، كونه أراد بها تذكير اللبنانيين بأن عون أطلق حالته السياسية من القصر الجمهوري في بعبدا والذي حوّل اسمه عون الى قصر الشعب ومن ثمّ الى بيت الشعب ، لذا جاءت الدعوة من حيث الشكل الى عون لممارسة المزيد من الدغدغة السورية للجموح اللا متناهي عند الرجل في قبضه على السلطة ، لذا نرى شهر العسل الطويل بين عون والسوريين بحيث أن كلّ طرف يؤمّن مصلحته انطلاقا" من التواصل بينهما وصولا" الى إحداث مزيد من التخريب على مستوى الجمهورية اللبنانية التي لا يريدها عون أن تستمر لا بل لا ضرر عنده في إلغائها طالما أنه ليس هو الرئيس على هذه الجمهورية ، وبالمقابل فإنّ السوري يستغل ويستعمل عون الى أقصى الحدود تماما" كما العلكة التي يعلكها الانسان وعندما ينتهي مفعول السكّر فيها يرميها ، الطرفين يستعملان بعضهما البعض .. عون يستقوي بالسوري ، ولكنه يستقوي به على اللبنانيين ، والسوري يتحجج بعون لإحداث المزيد من التراجع على مستوى الاستقرار الداخلي ، وهكذا تدور اللعبة بين المحورين انطلاقا" من أن كل فريق يؤمّن مصلحته ، وبأن كل فريق يجد ضالته بالآخر ، واذا كان السوري صاحب الأطماع التاريخية في لبنان ، والذي لم يعترف يوما" بالكيان اللبناني ، يسعى جاهدا" لضرب لبنان والحاق الأذى والقدر الأكبر بالخسائر كون كلما كان لبنان ضعيفا" ، وكلما كان لبنان مسرحا" للصراعات الداخلية فيه ، وكلما كان لبنان أتون نار ، وكلما كان لبنان ساحة لتصفية الحسابات ، وكلما كان لبنان مشتت ومنقسم على ذاته … كلّما أمّنت سوريا لنفسها المزيد من الربح السياسي على مستوى المنطقة والربح الاقتصادي على مستوى التجارة والربح السياحي على مستوى طرد السواح العرب منهم والغربيين…
إنها لعبة القطّـة والفأر يمارسها السوري مع لبنان حتى إنهاكه ، ومن هنا نعلم لماذا يدعم ميليشيا هي حزب الله ويمدّها بالسلاح على حساب استقرار لبنان ، والاّ لا شيء يبرر عدم قيام مقاومة في الجولان ، ولكن كيف تقوم مثل هذه المقاومة والمفاوضات السورية ـ الاسرائيلية كانت جارية على قدم وساق خلال حرب تموز 2006 ؟
والواضح أن مهووس القصور تمادى كثيرا" في لعبته ، وتمادى كثيرا" في تغليب مصلحته وأنانيته على مصلحة لبنان ، كما الواضح أيضا" أن تخطيه لسقف اللبننة وصولا" الى سورنة حالته الشعبوية حتى وإن بدأ نجمها بالأُفول شيئا" فشيئا" ، الاّ أنّ التمادي المُفرط في إساءة إستعمال ما آلَ اليه عبر الغش والخداع وصولا" الى النتائج التي حصل عليها في انتخابات العام 2005 ، سوف يؤدي مستقبلا" ان لم نستدرك هذا الخطر السرطاني الى ضرب ما تبقى من بوادر حلّ للأزمة التي يسعى كل من عون وسوريا وحزب الله الى تمديد أمـَـدها الى أجل غير مسمىّ..
فالسوري من مصلحته استمرار الوضع على ما هو عليه ربحا" لمزيد من الوقت الذي يعتقد ولو خاطئا" أنه في المستقبل سيكون لمصلحته انطلاقا" من التعويل على تبدّل في الموقف الآميريكي مع تبدّل الادارة الاميركية وهذا ما تسعى اليه ايران أيضا"..
حزب الله حتما" سيسعى في هذا الاتجاه تقاطعا" مع المصلحتين السورية والايرانية طالما أن هذه المعادلة تؤمّن له استمرار سلاحه في الداخل ، خاصة بعدما سقطت مقولة أن هذا الحزب لم يوّجه
ابدا" سلاحه الى الداخل اللبناني ، وتحديدا" بعدما شرّع عون لهذه الميليشيا وجودها والحق بتوجيه السلاح الى الداخل عندما قال "اذا انحشر السيد حسن حق له أن يستعمل السلاح في الداخل"..
وأخيرا" بالنسبة لميشال عون الذي لا همّ عنده اذا ما بقيت جمهورية أم لم تبقَ ، وهو أزّف أمام مناصريه سرا" بأنه سيخرب لبنان ان لم يصل الى الرئاسة الأولى ، وبالفعل يفعل ما وعد به ، طبعا" ليس بعضلاته انما بسلاح حزب الله والمجموعات السورية في لبنان وبدعم مطلق من السوريين ومن دون حدود ، خاصة وأن النظام السوري أفهم كلّ عملائه اللبنانيين أن رجلهم الأول اليوم في لبنان هو ميشال عون ، لذا المطلوب منهم جميعا" دعمه بالمطلق ، فمَـن غيره استطاع الاستحصال على شرف دعوة رئيس سوريا السيد بشار الأسد الى قصر الشعب؟
وهذا الشرف الكبير لم يحصل عليه أي من عملاء سوريا التقليديين لعقود من الزمن ، وحده الزويعم ميشال عون نال شرف الدعوة وعلى لسان الأسد شخصيا" ، بعدما كان يتناوله صغار النظام السوري ومن قبلهم عملاؤه في لبنان ، اليوم تدرّج عون في المدرسة السورية ليتخرّج قريبا" من قصر الشعب في سوريا ، إنها لعنة القدر أن يقف جنرال بلباس مرّقط ويقول للعالم :
" بـعـد فـي رأس واحــد بـدْنـا نكـسّـرو هـوي راس حافظ الأسـد " فكان زنّار النار والبارود والضحايا والشهداء والمهجرين والمهاجرين والمخطوفين في سوريا..
اليوم أصبحت زيارة عون الى سوريا عزيزة على قلبه وهو ينتظرها بأحرّ من الجمر ..
وهكذا انكشف المستور ، وحده قصر الشعب السوري أظهر أن بيت الشعب في بعبدا لم يكن في يوم من الأيام بيتا" لبنانيا" مع عون بل كان وقودا" أشعل من خلاله نيران حروبه .. تلك الحروب التي أرجع فيها لبنان وحدّ من خلالها تقدمه وديمومته واستقراره ..
إنها لعبة القصور والتي لم تنتهِ فصولها بعد ، ولن تنتهي قبل أن نضع حدّا" لهذا الجنون المُفرط في جرّ لبنان الى الهاوية والى مزيد من الهجرة الى بلاد الله الواسعة..
والى اللقاء القريب مع الجنرال الذي تخرّج من بيت الشعب في بعبدا الى الزويعم الحالم دائما" أبدا" بزيارة قصر الشعب في الشام ..
