#adsense

أي خيار للمسيحيين الماضي أم المستقبل؟

حجم الخط

أي خيار للمسيحيين الماضي أم المستقبل؟

غريبة حقاً حال القادة المسيحيين في لبنان التي تبدو غير قابلة للتفسير والمعالجة. فما أن أصبحت المصالحة الموعودة بين بعض القوى والتيارات المسيحية قيد الانجاز، وسط التهليل، لطي إحدى الصفحات الدموية والمأسوية التي تعود لأكثر من ثلاثين عاماً من العداء، حتى "تخربط" كل شيء وعادت الأمور إلى نقطة الصفر، وعاد الخطاب الهجومي والاتهامي، وعاد معه إحباط الناس على أيدي قادتهم وزعمائهم.

والواقع ان المسيحيين لم تخدعهم أساساً مشاريع المصالحات بين قادتهم، لأنهم يعرفون جيدأً ان ما بين هؤلاء من صراع على الزعامة والسلطة هو اكبر بكثير من التنافس الديمقراطي عبر التوجهات الوطنية والسياسية الكبرى. ولكنهم أملوا في ان تشكل مصالحة "القوات اللبنانية" و"المردة" انطلاقة أولى لسياسة حكيمة وواعية ومسؤولة، عبر اتفاق على تحييد الصراعات السياسية عن الشارع ووضع الماضي وراء الجميع، مع اخذ عبرة لتأمين مستقبل جديد يليق بالمسيحيين.

حتى هذا الرهان البديهي، يبدو انه في الطريق إلى السقوط، لان هناك من لا يزال يعيش في الماضي، ولا يستطيع ان يتخلص من أثقاله وإرثه. وربما تكون هذه علة العلل في سياسات معظم الزعماء المسيحيين، بدليل ان الخطاب السياسي لهؤلاء تسكنه عقدة تصفية الحسابات التي تحول دون التطلع إلى الأمام.

والادهى من ذلك ان هذه المصالحات صارت مادة انتخابية، يظن البعض انها وسيلته السهلة لتحريك مشاعر الشارع والعزف على وتر الحساسيات لتعبئة الأنصار والمحازبين. ومع ان وسائل التعبئة في الانتخابات مشروعة وطبيعية في كل الانظمة الديموقراطية الحقيقية، فإن المسيحيين اللبنانيين تحديداً لا يتحملون بعد اليوم أن يساقوا إلى انتخابات بلغة غريزية وعدائية ضد بعضهم البعض أو ضد الطوائف الأخرى. فالفارق كبير جداً ما بين تنافس ديموقراطي تخوضه القوى اللبنانية على أساس تطوير الديموقراطية، وسباق تحريضي يعتمد فتح الصفحات و نبش التجارب الدموية البشعة وتحريك الغرائز.

لا يحق لأي زعيم مسيحي، حتى لو ظن نفسه قادراً على اخذ أنصاره في أي اتجاه يريده، أن يعرقل المصالحات ويمنع التوجه نحو السلم والاستقرار والتطور، لان مصير المسيحيين ليس ملكاً لأي زعيم مهما بلغت قوته الشعبية، فهذه القوة تحتم عليه أولاً ان يثبت للناس انه قائد للمستقبل وليس أسيراً للماضي.

أما واجب المواطنين المسيحيين فهو أن يبدأوا بالتمييز والمحاسبة واختيار الطريق التي تضمن مصالحهم. وما دامت الانتخابات تحرك مصالح الزعماء، فليكن سلاح الناس الخيار النهائي بين الماضي والمستقبل، وبين الغريزة والعقل، لأنه كفى مسيحيي لبنان تلاعباً بمصيرهم.

المصدر:
نهار الشباب

خبر عاجل