أقل ما يقال!
"الكونشيرتو" في احسن حالاته: فالمقطوعات تؤدى على ايقاعين: الاول حرب الطواحين الدستورية التي يشنها الجنرال ميشال عون بواسطة نائب رئيس الحكومة الجنرال عصام ابو جمرا الذي كان في الماضي القريب رمز المعارضة الداخلية في "التيار الوطني الحر"، لالهاء الرأي العام المسيحي عن موضوع زيارة ايران (الاستتباع لمشروع ايران في العالم العربي) والحروب العربية الكلامية التحريضية التي اشعلها عون بالوكالة عن اصيل ايراني، ثم اعلانه قرب زيارة دمشق. ونحن من اشد المؤيدين لخطوة كهذه تعيد الجنرال الى النبع… نبع اصطفافه خلف النظام السوري في لبنان! ولكن لن نتوقف هنا، فالموضوع هامشي واكثر.
اما المقطوعة الثانية فتتمثل في ردود الفعل التي اشعلتها دمشق بصحافتها النظامية وحلفاء "حزب الله" ردا على مقابلة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الاخيرة لصحيفة "فاينانشال تايمس" وتناول فيها مسألتين مهمتين: الاولى العلاقات اللبنانية – السورية، والثانية واقع "حزب الله" المسلح، وقراءة لحرب تموز 2006.
على صعيد العلاقات اللبنانية – السورية، قال السنيورة: "لا يمكن ويجب عدم الاستمرار في ان نكون فلكا ضمن الدولة السورية. وسوريا ليست عدوة بل اسرائيل هي العدو".
وبالطبع يتساءل رئيس الحكومة اللبنانية، ككل مسؤول في العالم العربي، عن "هوية" الجهة التي اتت بالمتطرفين الاسلاميين الى لبنان، بعدما كانت توزعهم على محافظات العراق، قائلا: "هؤلاء لا يمكن ان يهبطوا بالمظلات"!
اما على صعيد مشروع الدولة وواقع "حزب الله" الميليشيا المسلحة التي تمثل تحديا كبيرا لهذا المشروع، فيقول السنيورة: "ان حزب الله الذي قام بعمل تحريري كبير قبل عام 2000 كان يمتلك دعما لبنانيا شاملا، لكن الامر تغيّر في ما بعد. وكان بامكاننا تجنيب لبنان ان يكون عرضة لاختبارات وضغوط وتجارب جديدة ناجمة عن اجتياحات جديدة تقوم بها اسرائيل". والاهم قوله انه بعد مضي عامين على حرب تموز التوريطية التي اشعلها "حزب الله" ان "الحزب اخطأ في الحسابات عبر اختطاف جنديين اسرائيليين لأنه كان للأمر تبعاته… وهم لم ينتصروا ونحن لم ننتصر"!
اما عن تسلح "حزب الله" واستمراره في تغذية اجندته الخارجية الخارجة على مشروع الدولة فيقول: "ان تسلح الحزب ليس السبيل لحل المشكل او السيطرة على البلد". وهو بذلك حقيقة يشكو منها اللبنانيون الذين يرون كل يوم كيف يتراجع منطق الدولة، ومنطق المساواة امام القانون مع ذهاب "حزب الله" بعيدا حتى بعد 7 ايار في تكثيف تسليحه، وعزل مناطقه، واختراق المناطق والبيئات الاخرى.
وهنا نسأل: "اين خرج السنيورة عن المنطق والحقيقة في كلامه هذا؟ وما المشكلة في ان يرغب اللبنانيون في علاقات سوية مع الجارة سوريا من دون ان تحاول الاخيرة السيطرة على بلادهم؟ واين المشكلة في ان يقرأ مواطن لبناني مغامرة "حزب الله" في شكل مختلف عن "بروباغاندا" الحزب وخصوصا ان "رئيس الحكومة المقاومة"، كما سماها يومها الرئيس نبيه بري، يمتلك معلومات عن خلفيات التوريط الايراني في الحرب، ويعرف في ما يعرف ان اختطاف الجنود الاسرائيليين وقتل الآخرين خلف "الخط الازرق" انما رمى الى احباط تسوية لقضية الجندي جلعاد شاليط من جهة، والى اشعال حرب تجريبية ايرانية ضد اسرائيل في اطار المناورة الكبرى حول البرنامج النووي. ورئيس "الحكومة المقاومة" يعرف مثل الكثير من المسؤولين اللبنانيين ان عواصم دولية كبرى كانت ابلغت منذ عملية ايار 2006 التي فشلت لاختطاف جنود اسرائيليين، ان الرد سيكون بحرب على لبنان. ورئيس "الحكومة المقاومة" كان يعرف بعد تورط الايرانيين والاسرائيليين لبنان في الحرب حجم الاضرار والخسائر التي دفعها جميع اللبنانين بدءا ببيئة الحزب نفسه التي قدمت 1300 شهيد ماتوا في سياق لم يُسأل فيه رأيهم.
ان معظم اللبنانيين يعرفون اسرائيل بالعدو، وسوريا بالجار المتعب، ويعتبرون ان حرب 2006 لم تكن انتصارا بقدر ما كانت عملا توريطيا للبلاد بأسرها من دون استئذان، او كانت مقدمة للانقضاض على الدولة وعلى المشروع الاستقلالي في البلاد.
خلاصة القول ان المصالحات (المصارحات) المرغوبة والمطلوبة مع "حزب الله" لا تعني اطلاقا القبول كما يقول السنيورة بـ"الافادة من ثمار الدولة من دون الخضوع لها". او القبول بوجود "قبطانين" على السفينة، او الخضوع لـ"بروباغاندا" حزب الله" التي تريد ان تصور حرب تموز 2006 خلافا لاقتناعات غالبية موصوفة من اللبنانيين. ولا تعني اخيرا الاذعان لمنطق الدويلة المسلحة الرامية الى السيطرة على الدولة والشعب. من هذه الزاوية اقرأ كلام السنيورة وهو اقل ما يقال!