لئلا تكرّر الأقلية النيابية المقبلة ممارسات الأقلية الحالية
مطلوب كتلة مستقلة ترجّح الكفّة عند التصويت
اذا كانت انتخابات 2005 قد افرزت اكثرية واقلية وهذه الاقلية لم تمكن الاكثرية من ان تحكم كما يقضي النظام الديموقراطي، وذلك بدعم من المحور السوري – الايراني وبذريعة ان هذه الاكثرية لا تمثل ارادة الشعب تمثيلا صحيحا ولأنها انبثقت من قانون انتخابي غير عادل وغير متوازن هو قانون الـ2000، وان طعونا بنيابة عدد من النواب لم تبت، وكان يمكن ان تحول الاقلية اكثرية والاكثرية اقلية لو حاربتها، فهل يتكرر الوضع نفسه في انتخابات 2009 اذا ما افرزت اكثرية واقلية، وتصرفت هذه الاقلية سواء كانت من قوى 14 آذار او من قوى 8 آذار، كما تعرضت الاقلية التي انبثقت من انتخابات 2005 فتدعي ان عددا من النواب الذين تألفت منهم الاكثرية مطعون في صحة نيابتهم، وان ليس لهذه الاكثرية ان تحكم وحدها وتستأثر باتخاذ القرارات وهي تطلب مشاركتها في اي حكومة يتم تشكيلها وبـ"الثلث المعطل"… بعدما اصبحت هذه المشاركة قاعدة وسابقة تعتمد باسم "الديموقراطية التوافقية". وهذا معناه ادخال لبنان في نظام سياسي جديد يمكن وصفه بالهجين وابتعاده نهائيا عن النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض الى ان تغير نتائج الانتخابات النيابية صورة الوضع.
هذه الصورة الغريبة لطريقة الحكم التي شهدها لبنان خلال السنوات الاخيرة بغية شل عمل المؤسسات فيه خدمة للخارج، تخشى اوساط محلية واقليمية ودولية ان تتكرر، بحيث لا تكون نتائج الانتخابات النيابية المقبلة حاسمة فتزيل هذه الصورة وتعيد لبنان الى ممارسة نظامه الديموقراطي ممارسة صحيحة لا تشويه فيه، ولا مسخ لصورته الحقيقية، وهو ما اكده الرئيس السنيورة في تصريح له بقوله: "ان يحصل الاكثرية في الانتخابات المقبلة عليه ان يحكم".
واعلن الرئيس ميشال سليمان امام وفد من نقابتي الصحافة والمحررين في ايلول الماضي: "ان الانتخابات هي مفصل اساسي في الحياة السياسية في البلاد ولا يجب بعد اليوم تبادل الاتهامات بين الاكثرية والاقلية من حيث صحة التمثيل. اعرف ان قانون العام 1960 ليس طموح اللبنانيين ولكن ربما عبر ادخال اصلاحات على هذا القانون يمكننا ان نصل الى ما هو افضل. فقانون العام 1960 لم يأت بحل لكننا توافقنا عليه، وكل قرار يتوافق عليه اللبنانيون هو افضل من اي قرار آخر مهما كان عظيما اذا شكل مصدرا للخلاف. لذلك فان الانتخابات النيابية هي مفتاح العمل السياسي الذي يضع الركائز الاساسية للديموقراطية، والقانون وحده لا ينتج ديموقراطية، لكن علينا ان نقبل بنتائج الانتخابات. هذه هي الديموقراطية. انها اكثر من عملية الاقتراع في صندوق، فاذا ما اتت النتائج مغايرة للتوقعات، نرفض النتيجة، لا يمكن وضع قانون ومن ثم نرفض نتيجته".
وعندما سئل هل سيكون له مرشحون في الانتخابات المقبلة في اكثر من منطقة ام سيبقى رئيس الجمهورية على مسافة واحدة من الجميع قال: "ان دور الرئيس يقضي بألا يكون طرفا في لبنان. لكن هذا لا يمنع ان يكون هناك اطراف سياسيون مع الرئيس كالمستقلين. هذا لا يعني ان الرئيس يختارهم، لكن اذا فازوا كمستقلين فيكونون الى جانبه في القرارات المصيرية. لا لزوم لتدخل الرئيس في موضوع الانتخابات في لبنان ولكن بامكانه ان يستقطب بعض المستقلين".
وكرر الرئيس سليمان هذا الكلام امام نواب حاليين وسابقين موضحا انه ليس في وارد التدخل في الانتخابات النيابية المقبلة بهدف ان تكون له كتلة نيابية داخل المجلس، الا انه لن يمانع في ان تكون له كتلة تتألف تلقائيا لتقف مع توجهاته، خصوصا اذا ما لمس ان اعضاء هذه الكتلة يعكسون سمة الوفاقية التي أهلته ليكون رئيسا للجمهورية.
الواقع، ان الرئيس سليمان يتجنب ارتكاب اخطاء رؤساء سابقين كانوا يتدخلون في الانتخابات لدعم مرشحين في اكثر من منطقة سواء كانوا منتمين الى احزابهم او كانوا مستقلين حتى اذا ما فازوا اتهموا الرئيس بالتدخل السافر لتأمين فوزهم، واذا فشلوا اتهموا الرئيس بضعف شعبيته وحملوه مسؤولية هذا الفشل.
لذلك، ترك الرئيس سليمان للذين سيفوزون في الانتخابات النيابية المقبلة سواء كانوا من قوى 8 أو 14 آذار او كانوا مستقلين عن هذه القوى، حرية العمل على تأليف كتلة نيابية مستقلة تكون وازنة بين الاكثرية والاقلية، وتجعل الرئيس يقوم بدور الحكم في حسم الخلافات وذلك باعتماده على اصوات نواب هذه الكتلة، والا فانه لا يستطيع ان يقدم بدور الحكم الذي يحسن الخلافات بوحي من ضميره وبما يراه في مصلحة البلاد، اذا لم يكن يملك الآلية المستقلة التي يحسم بها، وكان مجلس النواب منقسما انقساما حادا بين اكثرية واقلية تصطف كل واحدة منها في موقف لا تزيح عنه، وهو ما حصل بين الاكثرية والاقلية المنبثقة من انتخابات 2005. وكان من جراء هذا الانقسام ان تعطلت اللعبة الديموقراطية، فتعطلت معها الانتخابات الرئاسية مدة ستة اشهر الى ان صار اتفاق بين الاكثرية والاقلية على انتخاب رئيس توافقي للجمهورية لا هو من الاكثرية ولا هو من الاقلية هو العماد ميشال سليمان ولا صار اتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية إلا بعد تدخل خارجي ادى الى عقد مؤتمر في الدوحة وتقررت فيه حصص رئيس الجمهورية والاكثرية والاقلية في حكومة سميت حكومة وحدة وطنية لا وحدة بين اعضائها كي تستطيع توحيد اللبنانيين.
الى ذلك لم يعد مقبولا ولا معقولا ان يتكرر ذلك بعد الانتخابات النيابية المقبلة، وبات لا بد بد وجود كتلة نيابية مستقلة او وسطية تقف بين كتلتي الاكثرية والاقلية لتكون الوازنة بينهما عند كل استحقاق وعند اتخاذ القرارات المصيرية وبت المواضيع الاساسية المهمة، وهي كتلة قد تضم نوابا مستقلين وربما نوابا فازوا على لوائح قوى 8 و14 آذار. فاذا فاز مرشحو قوى 14 بالاكثرية، فان كتلة النواب المستقلين هي التي ترجح الكفة عند التصويت سواءمع الاكثرية او مع الاقلية، وهو الدور الذي يكون لهذه الكتلة في حال فوز مرشحي قوى 8 آذار بالاكثرية. واذا تعادلت نتائج الانتخابات بين قوى 8 و14 آذار بحيث تفوز هذه بـ60 نائبا وتلك بـ60 فان كتلة المستقلين حتى وان فازت بثمانية نواب فقط، تبقى كافية لترجح الكفة عند التصويت.
لذا، ترى اوساط سياسية لبنانية وغير لبنانية ضرورة ايجاد كتلة مستقلين تحول دون هيمنة الاكثرية على الاقلية ودون تحكم الاقلية بالاكثرية كما يحصل الان. فتتعطل عملية الانتخابات الرئاسية وتتعرقل عملية تشكيل الحكومة بفعل الشروط التعجيزية المتبادلة بين الاكثرية والاقلية، عدا ان اي اكثرية خصوصا اذا كانت من قوى 8 آذار والمتحالفين معها ولم يكن للرئيس كتلة من نواب مستقلين تقف مع توجهاته وتمكنه من ان يكون حكما يحكم في الخلافات ويحسمها لما فيه مصلحة البلاد، فان الرئيس يصبح اسير مواقف هذه الاكثرية التي قد تصبح مستبدة ومتحكمة ليس بالاقلية فحسب بل برئيس الجمهورية نفسه فتصبح هي الحاكمة فعلا وهو المحكوم… وقد يكون تخوف وزير الدولة يوسف تقلا من ذلك جعله يقول في حديث له: "نحن ذاهبون نحو الاسوأ اذا لم ينجح الرئيس سليمان في فرملة الوضع وتقريب وجهات النظر والوصول الى قواسم مشتركة بين القيادات".