انتظره الأميركيون من الشرق فنشر جيشه في الشمال
وطالبه الفرنسيون بالتبادل الديبلوماسي فأوحى للبنانيين بأنها عودة مقنعة لمخابراته
مسؤول أوروبي عن طريقة تعاطي الأسد مع لبنان: "مراهقة سياسية"
في جلسة انعقدت قبل أيام قليلة في عاصمة أوروبية ضمّت »نخبة« منتقاة من »كبار المحللين« لشؤون الشرق الأوسط، صارح مسؤول أوروبي الشخصية اللبنانية الوحيدة التي كانت مدعوة الى »لقاء العصف الفكري« بالقول: »تمتلكني الشفقة على بشار الأسد كلما قرأت ما يصدر في الصحافة السورية وفي الصحافة التي تقول الملخصات الواردة إلينا إنها مقربة من النظام السوري».
استوى جميع الموجودين وأعطوا آذانهم جيّداً لهذا المسؤول المعروف عنه أنه »يأخذ ولا يعطي«، وراح يشرح مراميه: »يدرك الأسد جيّداً أن تعاطينا معه محكوم بمجموعة شروط، وهو كلّما أعطى في الأساس يأخذ في الشكل. عندما قدّم في لبنان أخذ من فرنسا ما يمكن تسميته »بروتوكوليات«. كان موضوع لبنان مهماً بالنسبة لنا، ليس على قاعدة وجدانية أو مبدئية، بل لأن لبنان يعتبر من أبرز ساحات التلاقي الإيراني السوري، وكنا متيقنين من أن إيران تريد جرّنا إليها لتُقدّم في لبنان، وتالياً هي ستمارس ضغوطاً على الأسد حتى لا يخطو أيّ خطوة الى الأمام. إلا أن الأسد الذي تؤكد كل التقارير الواردة من دمشق بأنه يعيش حالاً من الخوف غير المسبوق، هجم نحونا منفرداً، مما اضطر إيران الى الدخول على الخط لئلا تبقى وحيدة وتُتهم من دول الجوار التي تخطب ودها في هذه المرحلة، بأنها تحتل عاصمة عربية، هي بيروت، في ضوء ما حصل في السابع من أيار الماضي».
وتابع هذا المسؤول الأوروبي: »أكثر ما يُزعجنا هنا في أوروبا في سلوكية بشار الأسد هو هذا الضخ المستمر من المعطيات المشوّهة، فهو يدّعي أن المجتمع الدولي تراجع أمامه، في حين أنه يُبدي استعداداً للتراجع عن كل شيء لقاء حصوله على تطمينات ببقاء نظامه، ولكن جل ما يطلبه الأسد من موفدينا ولا سيما من البعثات المخابراتية السرية التي يبدو أنه يطمئن إليها كثيراً لأنه يصارحها بأمور كثيرة يخفيها عن الوفود الديبلوماسية بحجة أن الديبلوماسيين ثرثارون، هو إعطاؤه فسحات زمنية لازمة تسمح له باستدارة لا تُسقطه في متاعب داخلية وخارجية، من شأنها تعريض نظامه للخطر».
ويروي هذا المسؤول أن بشار الأسد وبعد الانتخابات الرئاسية في لبنان وتشكيل الحكومة برئاسة »الرمز« فؤاد السنيورة، قال إنه مستعد لفك تحالفه الاستراتيجي مع إيران ولكن هذا يتطلب »تنظيفات داخلية«، على اعتبار أن إيران قد تغلغلت أمنياً في الأجهزة السورية، ومالياً في الأجهزة الإدارية، ودينياً في النسيج الوطني.
ويكشف أن الأسد طلب من الأوروبيين الضغط على اللبنانيين، من أجل ضبط إعلامهم بالنسبة الى المسألة السورية، معربا عن انزعاجه من التعاطي الإعلامي اللبناني مع كل حدث أمني يقع في بلاده، طارحا سؤالا أساسيا: »كيف أُكمل مهمتي إذا كانت القوى اللبنانية المتحالفة معكم تنتظرني على الكوع لتُشكك الشعب السوري بقيادتي؟، وفي هذه الحالة كيف تريدونني أن أُقدّم لكم ما من شأنه أن ينتزع روحي؟».
ويعترف المسؤول الأوروبي بأن الفرنسيين وبعدما تلقوا شكاوى لبنانية من الأداء السوري الذي يريد أن يحوّل التبادل الديبلوماسي الى وعد عُرقوبي بلا آليات تنفيذية في ظل استباحة كاملة للحدود اللبنانية السورية بهدف تحويل لبنان الى وكر للإرهابيين، طلبوا من الأسد أن يُحدد موعدا نهائيا لبدء التبادل الديبلوماسي مع لبنان من جهة ويتّخذ إجراءات تؤكد نيته ضبط الحدود من جهة أخرى، ليتمكنوا من أن يتمنوا على »أصدقائهم » اللبنانيين الانضباط إعلامياً.
ويشير هذا المسؤول الى أن هذا فعلاً ما حصل، لكن »المراهقة السياسية« التي تميّز أداء الأسد قلبت الصورة رأساً على عقب، بحيث سمح لجماعته في سوريا ولبنان بأن يُغطوا تنازلاته الجوهرية بدخان كثيف اسمه التهديد بعودة الجيش السوري الى لبنان، تحت ستار مكافحة الإرهاب، فقامت القيامة في لبنان، وتحوّل الانتشار العسكري السوري من عمل »تطميني« الى عمل عدواني، وتمّ تصوير التبادل الديبلوماسي، كما لو كان دخولاً مخابراتياً سورياً بقناع جديد على الساحة اللبنانية، وقد رُفعت إلينا تصريحات مقربين من الأسد تطلب من اللبنانيين ألا يفرحوا كثيرا بقبول الأسد للتبادل الديبلوماسي لأن القيادة السورية سوف تُقيم ممثلية وقنصلية لها في كل مدينة وإذا دعت الحاجة في كل حي!.
وترتسم ابتسامة سخرية على محيا المسؤول الأوروبي قبل أن يتابع :«عندما أبلغنا أصدقاءنا الأميركيين بما قام به الأسد وبما ينوي القيام به، فوجئنا بأنهم يعرفون كل فاصلة وشاردة، ولما شاهدنا مسؤولاً في الخارجية الأميركية في المنزل القروي لإيلي الفرزلي، عرفنا السبب».
وقال: »إن الأميركيين أفهموننا بصراحة أنهم لا يثقون بالأسد، وهم سوف يُبلغونه عبر وزير خارجيته وليد المعلم، بأن ما يُنقل إليهم، مباشرة عبرنا أو بصورة غير مباشرة عبر أصدقاء مشتركين، لا قيمة له على الإطلاق، لأن النيات بالأعمال، وهم يريدون من الأسد أجوبة تفصيلية عن جدول زمني للتنفيذ بما يختص بمكاتب منظمات فلسطينية في دمشق يعتبرها الأميركيون إرهابية، وبما يختص بتجفيف مصادر »حزب الله»، وبما يختص بقطع العلاقة التحالفية مع إيران، الأمر الذي يجعل إيران في واد والمنظمات التابعة لها في واد آخر».
وتابع: »إن الأميركيين أعطونا نموذجا عن أسباب عدم ثقتهم بالأسد، وهو الانتشار العسكري على الحدود الشمالية للبنان».
وشرح: »يقول الأميركيون إن الإدارة الأميركية سبق لها ووجهت لوما الى المسؤولين الألمان، بسبب طريقة تعاطيهم الرخوة مع مسألة ضبط الحدود اللبنانية السورية، بحيث تركوا للسوريين مجالا رحبا للسيطرة على الحدود الشرقية للبنان، مكتفين بضبط الحدود من الجهة الشمالية». وأضاف: »يؤكد الأميركيون أن الخبراء الألمان بالتعاون مع قوة لبنانية مشكلة من الأجهزة العسكرية الأربعة (الجيش، قوى الأمن الداخلي، الجمارك والأمن العام) ضبطوا، بعد انتهاء معارك مخيم نهر البارد الحدود اللبنانية – السورية على امتداد مائة كيلومتر من الجهة الشمالية، في حين بقيت الحدود من الجهة الشرقية فالتة فلتاناً مطلقاً، وهذا ما تأكد منه لاحقا فريق المراقبة الذي أرسلته الأمانة العامة للأمم المتحدة، ولكن الذي حصل أن بشار الأسد تذاكى على الجميع، بحيث نشر عسكره، في ظل ماكينة دعائية تهديدية للبنانيين، على الجانب الحدودي غير المشكو منه، تاركا الجانب المشكو منه على حاله، الأمر الذي أعطى قوى ثورة الأرز صدقية عالية في كل الدوائر، لأن الانتشار السوري تمّ كيفياً، فهو أتى في منطقة لا تحتاج الى ضبط، من جهة أولى ومن دون أي تنسيق مع لبنان أو مع الأمم المتحدة، من جهة ثانية، ومتزامنا مع طلبات سورية خجولة من خلال المخابرات الفرنسية بالسماح لجيش الأسد بالقيام بمهمات محدودة في الشمال اللبناني على غرار المهمات التي يقوم بها الجيش التركي في شمال العراق، من جهة ثالثة.
وأفاد المسؤول الأوروبي: »هذا المنطق الأميركي أزعجنا، لأنه أظهرنا بوقا دعائيا عند الأسد، وقد أدى ضغطنا لاحقا، حفاظا على ماء الوجه، الى قبول الرئيس السوري بادعاء أن انتشاره هو تطبيق للقرار 1701، وهو أبلغنا موافقته على ان هذا الادعاء سيُحتّم عليه استكمال انتشاره، على كل الحدود مع لبنان».
ويشير هذا المسؤول الى أن المعلومات التي أوصلها المسؤولون اللبنانيون الى الأمم المتحدة، وباتت بعهدة الألمان تنفيذيا، تفيد أن القوة اللبنانية المشتركة بالتعاون مع الخبراء الألمان، ستبدأ في الأيام القليلة المقبلة عملية انتشار على مساحة سبعين كيلومترا، نحو الحدود الشرقية».
وجزم ضاحكا: »حينها أنا متأكد من أن الأسد سوف يوسّع رقعة انتشار جيشه، لأنه في حقيقة الأمر يريد أن يراقب ما يحصل من الجانب اللبناني وليس الاحتماء منه، لأن لبنان هو من يجب حمايته من مخططات الأسد».
وهنا التفت المسؤول الأوروبي الى الحضور وقال: »دعونا نعود الى موضوعنا، هل تعتقدون أن الأسد يستطيع أن يتحرر من إيران؟«.
وعند هذا الحد، أوقفت الشخصية اللبنانية التي كانت تشارك في الاجتماع نقل الوقائع، لأن ما تبقى »لا يزال من المبكر الإفصاح عنه«.