سوريا: الأطماع المستمرة بلبنان
ليست الحشود العسكرية السورية التي تتجمع على الحدود اللبنانية اليوم هي الأولى من نوعها، وهي تعبّر من دون ادنى شك عن حالة سيكولوجية جماعية لدى القيادات السورية المتعاقبة، نقطة ارتكازها عدم الإقتناع بحق لبنان في ان يكون دولة مستقلة بكل معنى الكلمة.
وكل التصاريح التي اطلقت حول امكانية حل معضلة لبنان مع سوريا بفنجان قهوة يشرب في دمشق تعبر اما عن قصر نظر او عن استخفاف بعقول اللبنانيين، فمشكلة لبنان مع سوريا لن تحل الا بعد ان يتأكد السوريون ان كلمة اللبنانيين اصبحت واحدة وان لبنانهم يتقدم على ما عداه. وقبل حصول ذلك فمن المستبعد ان ترتدع سوريا وان تكف عن التفكير كأن لبنان محافظة من محافظاتها.
والحرب لا يمكن اعتبارها ابداً حدثاً مفاجئاً. ما من نزاع يبدأ في اليوم الذي تعلن فيه الحرب. ما من حدث – قلت اهميته أم عظمت- ثورة كانت أم انقلاباً سياسياً أم شغباً شعبياً- يبدأ في اليوم الذي يتصدر فيه عناوين الصحف. فالحدث ينمو مع مضي الوقت متطوراً ببطء في الخفاء ومحدثاً هزات عابرة على سطح الأحداث الجارية وباعثاً إشارات متقطعة الى احتمال نشوء أزمة ليست بعد ناضجة لنشوبها.
انطلاقاً من هذا المعيار فإن الحرب اللبنانية في العام ١٩٧٥ والتي ستكشف الوقائع لاحقاً أنها حرب سورية على لبنان لم يكن ميلادها في ١٣نيسان، ولم تنجبها بوسطة عين الرمانة، ولم تكن نهايتها في ٢٦ نيسان ٢٠٠٥. في العام ١٩٧٥ كانت الحرب السورية على لبنان قد أصبحت فتية على قدر ما كان لبنان الدولة (وليس لبنان التاريخ) قد أصبح فتياً. هذه الحرب لم تنشأ انطلاقاً من التمدد الفلسطيني وصولاً حتى العام ١٩٧٥، ولا مع انحسار عملهم المسلح بلبنان ابتداء من العام ١٩٧٠ بعد طردهم من الأردن إثر أحداث أيلول الأسود، ولا حتى مع طردهم من أرضهم وانتقال قسم منهم الى لبنان.
الحرب بدأها السوريون باكراً جداً حين فاجأهم حتى موقف الوحدويين العرب البيروتيين منهم في أواخر العام ١٩١٨ إثر دخول الأمير فيصل دمشق وتشكيله حكومة عسكرية عربية برئاسة رضا الركابي التي أرسلت موفداً عنها الى بيروت هو السوري شكري الأيوبي فأتاها برفقة مئة جندي رافعاً العلم العربي على مبانيها بصفته حاكماً عليها. يومها ظهرت المفاجاة عندما اجتمع وجهاء بيروت في منزل عمر بيهم وبعثوا برسالة الى الامير فيصل ورد فيها:" لا نقبل أن ترسل دمشق بواحد سوري". في ذلك الوقت بدأت العقدة السورية من لبنان تتشكل ولربما هي عقدة نقص تجمعت في طياتها:
1. الصروح العلمية التي شيدت في لبنان باكراً جداً: مدرسة عينطورة للعازاريين عام ١٨٣٤- الجامعة الأميركية في بيروت عام ١٨٦٦- جامعة القديس يوسف عام ١٨٧٥- مدرسة الشوير للإنكليز عام ١٨٧٥- مدرسة الحكمة التي أسسها المطران يوسف الدبس عام ١٨٧٤…
2. ازدهار حركة التأليف والترجمة التي أنشئت لأجلها عشرات المطابع: أقدم مطبعة في لبنان هي مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا عام ١٦١٠ على عهد فخر الدين المعني الثاني، ثم كرّت السبحة مع مطبعة مار جرجس الأورثوذكسية عام ١٨٤٧، والمطبعة اليسوعية ١٨٤٨، والمطبعة العمونية ١٨٦١، والمطبعة المخلصية ١٨٦٥… . فظهرت في لبنان حوالي ٤٢٦ صحيفة ومجلة، هذا عدا عن الصحف والمجلات التي أنشاها اللبنانيون في الخارج، كصحيفة الأهرام في مصر لسليم وبشارة تقلا، إضافة لأكثر من ١٥ صحيفة في فرنسا، كمجلتي الحقوق لمخائيل عورة عام ١٨٨٠، ومجلة باريس عام ١٩٠٨ لجورج مسرّة ونجيب طراد… .
3. الدور الرائد للبنانيين في الخارج. ففي مصر مثلاً وجد الخديوي اسماعيل في خريجي الجامعة العربية في بيروت موظفين أكفّاء، كذلك الإنكليز بعدما احتلوا مصر وجدوا في خريجي الجامعة الأميركية في بيروت موظفين أنعمت بهم السماء. وعمل اللبنانيون في الوظائف الإدارية والصيدلة والطبّ والتجارة والصحافة، حتى قُدرت ثروة اللبنانيين في مصر لوحدها بخمسين مليون ليرة إنكليزية أي عِشر الثروة المصرية.
النجاح اللبناني لم يضرّ أحداً ولم يأخذ من أمام أحد، إنما سبب الغيرة وجلب الطمع وجعل الأنظمة السورية المتعاقبة تبحث عن أسباب وتحاول صنع ظروف تدفعها للإستيلاء على لبنان ومقدراته.
وهكذا بدأت قصتنا مع سوريا لا بل مأساتنا، وبدأ الصراع بين مفهومين: المفهوم السوري الذي يعتبر أن القوة هي التي تصنع الحق والمفهوم اللبناني الذي يعتبر أن الحق هو الذي يصنع القوة. وما زال الصراع جارياً ….
مرحلة ما قبل الإستقلال: إعلان نوايا
رغم أن لبنان لم يكن يوماً في وحدة سياسية مع سوريا بل كانت أراضيهما معاً جزءاً من الدولة العثمانية التي قسمت أراضيها إدارياً ومنها أراضي لبنان وسوريا الى ولايات وسناجق وفقاً لما تقتضيه مصالحها وتبعاً لتغير السلاطين والخلفاء، إلا ان سوريا اعتبرت منذ انهيار الدولة العثمانية أن سوريا هي كلّ، لبنان جزء منه.
فبرغم ان المدن البحرية التي ألحقت بلبنان الكبير كبيروت وصيدا وصور والمدن والمقاطعات الداخلية كالبقاع وبعلبك ومرجعيون وحاصبيا وراشيا، كانت سابقاً جزءاً من لبنان تاريخياً، وكان يحكمها المعنيون طوراً والشهابيون تارةً. وبرغم أن القرار ٣١٨ بشأن تعيين حدود لبنان في العام ١٩٢٠ أشار الى أن لبنان عاد الى حدوده الطبيعية، كما عينها ممثلوه وأجمعت عليها رغائب عموم أهاليه، إلا أن سوريا لم ترضَ بذلك وكشفت عن نواياها مبكراً.
ففي العام ١٩٢٠ أعلن المؤتمر السوري وحدة سوريا الطبيعية من طوروس الى رفح. وتحدث الميثاق السوري عام ١٩٢٥ عن ضرورة تحقيق الوحدة السورية بما فيها لواء طرابلس وعكار والأقضية الأربعة وإجراء استفتاء في المناطق الأخرى التي ضمت الى جبل لبنان. ونصّ الدستور السوري عام ١٩٢٨ في مادته الثانية على أن البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سورية لا تتجزأ ولا عبرة بكل تجزئة طرات عليها بعد نهاية الحرب العالمية. كما أورد الميثاق الوطني الذي أعلنته الكتلة الوطنية في سوريا في ١٠ كانون الثاني ١٩٣٦ في مادته الاولى:" تحرير البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة اجنبية وجمع أراضيها المجزأة في دولة واحدة ذات حكومة واحدة".
بعد الإستقلال: بدء الإعتداءات الحدودية
عندما حصلت الدولتان اللبنانية والسورية على استقلالهما بدأ السوريون باللعب على المكشوف، فنجم عن ذلك تعديات واسعة على الحدود اللبنانية كإشارة منهم على عدم اعترافهم بهذه الحدود، وهذه عينة من الإعتداءات:
في أوائل الخمسينات دخل الجيش السوري الى قرية المجيدية وحاول وضع نقاط حدودية ضمن الأراضي اللبنانية، كما منعت السلطات السورية الفلاحين اللبنانيين من دخول مزرعة المجيدية بعد ان كانوا يدخلونها لمدة اربعين سنة دون اعتراض. وكان جواب الخارجية السورية على مذكرة ارسلتها نظيرتها اللبنانية في ١٥/١٢/١٩٥٦، أن هناك تعليمات صادرة من رئاسة الأركان العامة للجيش السوري بعدم السماح بدخول تلك المناطق من دون تصريح.
وفي العام ١٩٥٦ اعترض السوريون على سقاية أهالي عرسال لمواشيهم من نبعين تدعي سوريا ملكيتهما واستعملوا السلاح لهذه الغاية.
وفي دير العشاير التي لم يكن لها طريق سيارة داخل الحدود اللبنانية، تعرض الاهالي لمعاملة سيئة من الجيش السوري كي لا يخرجوا من القرية ويتواصلوا مع لبنان وأطلقت النار عليهم أحياناً.
وفي العام ١٩٥٧ جاءت قوة من الجيش السوري قوامها ٥٠٠ جندي وعسكرت في أراضي آل داوود اللبنانية رغم أن القضاء السوري نفسه حكم بملكية آل داوود للأراضي.
وفي قرية نحلة اللبنانية احتج الأهالي مراراً على تعدي المواشي السورية الداخلة للمرعى على مزروعاتهم.
وفي عامي١٩٥٥-١٩٥٦ تدخلت السلطات السورية مراراً لوقف بناء خزان للمياه في الأراضي اللبنانية فوق ينابيع عنجر كان يُبنى لتموين قضاء راشيا بمياه الشرب في دلالة واضحة على رغبتها بمنع لبنان من الإستفادة من مياهه.
لبنان يحاول ترسيم الحدود
بعد كل هذه التعديات والمنازعات كان لا بد أن تتخذ الدولة اللبنانية تدبيراً علّه يحمي حدودها ويحفظ أهلها، فجرت اتصالات مع السوريين بهدف إنشاء لجان عمل مشتركة تعيد إطلاق عملية تحديد وترسيم الحدود اللبنانية السورية التي كانت قد بدأت قبل الإستقلال بين لبنان والحكومات السورية.
ففي ٢٥/١١/١٩٦٣ وفي عهد الرئيس شهاب، صدر المرسوم رقم ١٤٥٣٩ القاضي بتأليف وفد لبناني يكون طرفاً في لجنة الحدود اللبنانية السورية المشتركة. وقد تبين من خلال محضر الإجتماع الأول للجنة الفنية اللبنانية السورية في ١١/٢/١٩٦٤ أن الخرائط السورية لا تحتوي على حدود دولية، إنما على حدود محافظات!. إذاً الهدف واضح منذ البداية، سوريا لا تعترف بحدود لها مع لبنان، أما الإشتراك في لجنة لتحديد وترسيم الحدود فلم يكن الهدف منه إلا تمرير الوقت بانتظار سنوح الفرصة للإنقضاض على لبنان.
ويؤكد هذا الكلام النتيجة التي آل إليها عمل هذه اللجان والمدة الطويلة التي استغرقتها في العمل إذ أن أعمالها استمرت حتى العام ١٩٧٩، وبقي ٨٠٪ من الحدود من دون ترسيم (٣٠١ من أصل ٣٧٦ كلم).
وتحصي خريطة للجيش اللبناني صادرة في العام ١٩٧٥ 36 خلافا حدوديا بين لبنان وسوريا تغطي كامل الحدود بينهما تقريباً، ولم تزل عالقة حتى اليوم.
والمفارقة هنا انه في الوقت الذي لا توافق فيه دولة شقيقة على ترسيم حدودها مع لبنان فإن خط الحدود مع إسرائيل الدولة العدوة خاضع لإتفاق ترسيم حدود (Delimitation des limites) بموجب اتفاق بوله- نيو كامب (ترسيم الحدود بين فلسطين ولبنان) الذي وقع في ٧ آذار ١٩٢٣والذي أودع في عصبة الأمم وصدق عليه كوثيقة دولية عام ١٩٣٤. وتم تثبيت هذه الحدود في اتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية في ٢٣آذار ١٩٤٩ والتي نصت في المادة الخامسة منها: "يجب أن يتبع خط الهدنة الدائمة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين".
ووفقاً لمضمون نص اتفاق الهدنة فإن لجنة لبنانية إسرائيلية قامت في تلك الفترة بترسيم جديد للحدود بإشراف الأمم المتحدة، هو نفسه تقريباً اتفاق بوله- نيو كامب. وقد قامت اللجنة بإعادة إحياء نقاط الحدود الثماني والثلاثين مع وضع نقاط حدودية ثانوية ووضعت ثماني خرائط جديدة وتفصيلية للحدود شبيهة بخرائط بوله – نيو كامب.
مزارع شبعا: بروفا لاحتلال لبنان
كانت قرية شبعا ومزارعها في الفترة العثمانية جزءاً من قضاء حاصبيا، وتثبت ذلك الخرائط العثمانية العائدة لتلك المرحلة. وعندما أُنشئت دولة لبنان الكبير أصبحت حاصبيا جزءاً منه وفقاً للقرار رقم ٢٩٩ المؤرخ في ٣ آب ١٩٢٠. بعد الإستقلال كانت الدولة اللبنانية تمارس سلطاتها على شبعا ومزارعها من خلال مظاهر العمل القضائي والإداري، إلا أن سوريا سرعان ما كشفت عن مطامعها. إذ أنه في ٢١شباط ١٩٤٤ أرسل مختار شبعا خالد الخطيب رسالة الى رئيس الجمهورية اللبنانية يورد فيها أن مسحاً إجبارياً تزمع السلطات السورية القيام به يرمي الى ضمّ قسم كبير من الأراضي اللبنانية الى سوريا طولها خمسة كيلومترات وعرضها أكثر من كيلومتر واحد.
واستمر المسلسل. ففي العام ١٩٤٦ كانت فرق تحديد الحدود السورية تحدد بعض القرى اللبنانية على انها اراضٍ سورية فأرسل مدير الدوائر العقارية اللبنانية الى القاضي رفيق غزاوي مندوب لبنان في لجنة الحدود السورية اللبنانية يعلمه بذلك. فلما احتجت الخارجية اللبنانية رسمياً على ذلك أتى الرد السوري خبيثاً: "إن ما حصل هو عمل فني بحت لم يكن يقصد منه تعديل حدود أو إدخال مزارع بل هو أمر تحتاج إليه الدولتان ولا ينتج أي مفعول قانوني".
في العامين١٩٥٠-١٩٥١ كان الجيش السوري ومعه مواطنون سوريون يدخلون الأراضي اللبنانية في المزارع إما لسرقة الماعز أو لاعتقال مواطنين لبنانيين، وتكررت هذه الأحداث مراراً.
في العام ١٩٥٦ دخل الجيش السوري مزارع شبعا في إطار الدفاع المشترك ضد الأخطار الإسرائيلية بصفة مؤقتة ولم تخرج سوريا بعد ذلك سوى على يد الجيش الإسرائيلي، فأقامت في مزارع شبعا مخفراً سورياً للدرك لحفظ الأمن ومختاراً لتطبيق القانون السوري. وبدأت تلك المزارع تعمل كأنها جزء من سوريا. حاول الأهالي التحرك رفضاً للأمر الواقع فردت القوات السورية على ذلك بتوقيف رئيس بلدية شبعا لأنه طالب مع وفد من بلدته في شباط ١٩٥٨ بجلاء القوات السورية عن المزارع, ولأنه عارض الفكرة السورية الرامية الى إبدال الهويات اللبنانية بهويات أخرى سورية. وعن هذا الموضوع يفرد الرئيس سامي الصلح في مذكراته النص التالي: "استمر تدهور العلاقات اللبنانية السورية بين عامي ١٩٥٦- ١٩٥٨ ونتج عن ذلك بعض المشكلات الحدودية الحادة، عندما أقدمت السلطات السورية على إقامة مخفر للدرك ومخفر آخر للمجاهدين في مزارع شبعا كما أفادت المراجع الأمنية اللبنانية. وقد أُنذر سكان مزارع شبعا من السلطات السورية بوجوب تقديم بيانات عائلية تتضمن قبولهم الهوية السورية بدلاً من اللبنانية. ومع تكرار الحوادث ضد المدنيين اللبنانيين توجه وفد من وجهاء شبعا برئاسة رئيس بلديتها الى دمشق لمراجعة كبار المسؤولين في القيادة السورية وفي طليعتهم صبري العسلي رئيس الوزراء، وأكرم الحوراني رئيس مجلس النواب ولكن من دون جدوى. وعندما زارني الوفد الجنوبي المذكور واطلعت منه على تفاصيل التطورات، شددتُ على الوفد ضرورة التمسك بهويتهم اللبنانية والمحافظة عليها… . وعلى الأثر اتصلت بالسفير المصري في دمشق محمود رياض وشرحت له الأوضاع (…) وأن هذا العمل ليس في مصلحة سوريا ولبنان وأعلمته بأن الموضوع سوف يترك آثارا سلبية على الساحتين الدولية والعربية لأن الأمر لم يعد قاصراً على إرسال الرجال والسلاح عبر الحدود وإنما تجاوز ذلك الى محاولة اقتطاع الأراضي وضمها مع سكانها. وفي الوقت عينه أشرت الى السلطات اللبنانية في مزارع شبعا بضرورة تسجيل كل الحوادث والتجاوزات وبذل أقصى الجهود للمحافظة على لبنانية مزارع شبعا باعتبار أن ما يحدث ما هو إلا سحابة صيف يعود بعدها الوئام والصفاء بين الأشقاء".
المضحك المبكي في الأمر أن لجنة خاصة سورية لبنانية انعقدت في القنيطرة في ٨/٩/١٩٦١ لتبحث الوضع إثر التعديلات والخلافات الحاصلة بين أهالي شبعا وبين رجال قوى الأمن السوريين في مزارع شبعا. خلُص الجانب السوري فيها الى أن هذه المزارع قد وردت ضمن الحدود السورية بسبب خطأ مطبعي وقع على الخريطة التي اعتمدها السوريين للبحث!!! .
كان السوريون يصرحون بشيء ويفعلون عكسه، تماماً كما هو حاصل اليوم. ففي وقت كانوا يقرّون فيه بلبنانية المزارع في اجتماعات اللجان، كان العسكر السوري يكرس سورية المزارع. ففي العام ١٩٦٤ أبلغت قيادة درك جنوب لبنان وزارة داخليتها أن الدرك السوري دخل مزارع شبعا وأبلغ سكانها ضرورة إبدال تذاكر الهوية اللبنانية بتذاكر سورية إذا كانوا يرغبون في استثمار أملاكهم .
في ١٤/٩/١٩٦٥ وجّه أهالي قرية شبعا اللبنانية برقية الى المسؤولين اللبنانيين ناشدوهم فيها التدخل لدى السلطات السورية للتوقف عن مصادرة الماعز الذي يملكه أهل القرية وفقاً لقانون إفناء الماعز الصادر عن السلطات السورية بعد سيطرتها على المزارع. وبحلول العام ١٩٦٧ كانت المزارع بكاملها قد أصبحت بيد السلطات العسكرية السورية ومنها احتلتها إسرائيل ابتداء من ١٢حزيران ١٩٦٧.
إن المشكلة التي يعانيها لبنان اليوم في المزارع والإلتباس الحاصل في ملكيتها يعود الى:
1. ان الحكومة اللبنانية لم تتقدم بشكوى الى مجلس الأمن رداً على الإحتلال الإسرائيلي بل تمسكت باتفاقية الهدنة لأنها تنص على أن خط الحدود الدولية يتطابق مع خط الهدنة. وأكثر من ذلك فإن وزير خارجية لبنان وقتها يوسف سالم ردّ على أسئلة وجهتها الأمم المتحدة الى لبنان في ٢١ نيسان ١٩٦٩بالقول: " لم يطرأ على حدود لبنان أي تغيير واقعي أو قانوني عن طريق قرارات وقف إطلاق النار التي اتخذها مجلس الأمن بعد ٥ حزيران ١٩٦٧.
2. إن سوريا بعد الإحتلال الإسرائيلي للمزارع نسبت ملكية المزارع لنفسها. فخلال تحضير اتفاق فصل القوات في الجولان عام ١٩٧٤ أرسلت سوريا الى الأمم المتحدة خريطة أدخلت فيها مزارع شبعا ضمن الحدود السورية دون أن تحتج الحكومة اللبنانية على ذلك.
3. إن اتفاقية بوله- نيوكامب وضحت خط الحدود بين لبنان واسرائيل، وهذا ما تعترف به اسرائيل وفقاً لاتفاقية الهدنة كما أسلفنا. إلا أن الحدود بين لبنان وسوريا غير موثقة لدى دائرة الخرائط في الأمم المتحدة وبالتالي واجهت الأخيرة معضلة تتمثل في الآلية القانونية التي تمكنها من مطالبة اسرائيل بتطبيق القرار ٤٢٥ على مزارع شبعا خصوصاً أن اتفاق فض الإشتباك بين القوات الإسرائيلية والسورية في٣١ أيار ١٩٧٤ وبروتوكوله المتعلق بقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الإشتباك شمل خرائط موقعا عليها بالأحرف الأولى من الجانب الإسرائيلي والسوري تجعل مزارع شبعا تقع ضمن نطاق منطقة عمليات قوات الأمم المتحدة لمراقبة وفض الإشتباك هذا أي الأندوف.
كما ان الأمم المتحدة عندما بعثت بمندوب للتحقق من تطبيق القرار ٤٢٥ بعد الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان عام ٢٠٠٠ تبين لها وجود عشر خرائط منبثقة من قبل جهات حكومية رسمية لبنانية إضافة لوزارة الدفاع وقيادة الجيش اللبناني تعود الى ما بعد العام ١٩٦٦ تثبت أن المزارع داخل الأراضي السورية، كما أنها تفحصت ست خرائط حكومية سورية، ثلاثة منها منذ العام ١٩٦٦ تفيد أن المزارع داخل الأراضي السورية.
الحل البسيط لاستعادة مزارع شبعا هو أن تقبل سوريا بوضع محضر مشترك مع الحكومة اللبنانية تؤكد فيه لبنانية المزارع على أن يكون مرفقاً بخريطة تسلّم الى دائرة الخرائط في الأمم المتحدة. وللمشككين في قدرة القانون على إرغام إسرائيل الإنسحاب من المزارع، يكفي أن نورد أن قوة القانون أجبرت اسرائيل بعد انسحابها الرسمي عام ٢٠٠٠ على انسحابات أخرى من أراضٍ لبنانية تبلغ مساحتها ١٧مليونا و ٧٥٦ ألف متر مربع.
وعوضاً أن تقوم سوريا بواجبها هذا فإنها اكتفت بالتصاريح عن لبنانية المزارع ورفضت موضوع ترسيم الحدود اللبنانية السورية. إذ قال الرئيس السوري بشار الأسد أثناء زيارة لفرنسا في ٢٨/٨/٢٠٠١: " أعلنا بشكل رسمي أن مزارع شبعا لبنانية وبعد أن تجلو اسرائيل عنها نقوم بتحديد الحدود ونبلغ ذلك الى الأمم المتحدة". والمعنى من ذلك أنه لا يريد أن يعطي ضمانات للبنان بملكيته للمزارع ( التي لا تتثبت إلا عبر ترسيم للحدود) قبل خروج إسرائيل. ومن يدري ماذا ستكون نتيجة تحديد(الترسيم هو الأضمن) الحدود بين لبنان وسوريا بعد الجلاء الإسرائيلي. والأرجح أن السوريين سيخلصون الى أن هذه المزارع هي سورية. كيف لا وهناك أطلس سوري رسمي صدر عام ٢٠٠٤ وضع المزارع ضمن الحدود السورية رغم ملاحظات مديرية الشؤون الجغرافية الرسمية اللبنانية على هذا الأطلس!.
سوريا أرادت أن تبقى مزارع شبعا جرحاً يستنزف الوطن، وبعض اللبنانيين لا زالوا يلعبون دور السكين في خاصرة هذا الوطن الجريح والمنتفض.