زغرتا والحزيرانان
من عجب تصاريف الله أن يكون «حزيران» مدموغاً بالدماء والمجازر في زغرتا. ومن شدّة ما صدمني التزامن التاريخي بين حزيران 1957 وحزيران 1987 وما يحدث اليوم من تعسّف وتشرّط تعجيزي لاقفال باب المصالحة، بعدما كان الحديث عنها زلّة لسان جاءت قبل مراجعة وليّ الأمر.
فجأة وجد سليمان فرنجية الحفيد محشوراً في زاوية هفوته، وشدّة الأذن جاءت سريعاً من أصحاب المصلحة في بقاء المسيحيين مشرذمين يسمح وضعهم في أن يقتلوا بعضهم بعضاً متى استدعت الحاجة!! وعندما شُدّت له أذنه على تهوّره في ابداء رغبة في المصالحة، وضع عقدة ميشال عون في منشارها. ظنّ أولياء الأمر أن هذا سيدفع سمير جعجع الى الرفض.
أدرك «الحكيم» مبكراً ان ما يجري ليس أكثر من مناورة لحشره، يبدي هذا الرجل يوماً بعد يوم أنه يتمتّع بذكاء استراتيجي وتكتيكي من طراز رفيع، وبعد أخذ وردّ وافق وهو على يقين أن فرنجية لا يملك أمره في الموافقة، هبّ الأخير ليقول كلاماً يُسيء فيه لمصلحة لبنان أولاً والمسيحيين ثانياً، فهو ليس كاريتاس على حدّ قوله، وهو يريد أن يفرض شروطاً تعجيزية والمطلوب أن يوافق عليها الحكيم، وحتى وإن وافق الرجل سيخترعون له عثرات كثيرة!!
ويُدرك سليمان فرنجية الحفيد وكذلك الجدّ أن صراعهما الحقيقي كان مع الكتائب اللبنانية ومن قبل ولادة القوات اللبنانية، ويدركون أن قرار مهاجمة قصر اهدن لم يأخذه سمير جعجع، وأنه لم يكن في عداد منفّذيه فإصابته حوّلت وجهته قبل الوصول الى المستشفى، ويوم حوكم سمير جعجع، بتهم عدة، ذهب سليمان فرنجية الى اميل لحود وقال انه عفا عن دم ابيه وطلب اقفال هذا الملف، كانت الاوامر السورية صدرت لمنع الاتيان بإيلي حبيقة الى التحقيق كان هو المسؤول المباشر والعقل المدبّر، ومع هذا كان حليفاً لسليمان الابن ولعمر افندي كرامي حبّاً بالوصاية ومصالحها، اليوم يريدون نبش موتاهم الذين ساعة يعفون ويطوون صفحات الحرب، وساعة ينبشون قبورهم متى احتاجت الوصاية ذلك!!
وللعبرة فقط، وللتاريخ والذاكرة، ما أشبه اول امس بالامس، وكل الخوف أن يشبه اليوم بالغد.. المجازر مُحرجة في الانتخابات، سبق وأحرج عبد الحميد كرامي بمجزرة فامتنع عن خوض انتخابات 25 ايار العام 1947، يومها وخلال استقبال فوزي القاوقجي (20 قتيلاً و50 جريحاً).. ثم جاءت انتخابات العام 1957، لتقع مجزرة اخرى تحرج حميد فرنجية فلا يترشّح في زغرتا، وقبل أحدين على اجراء انتخابات زغرتا، وفي جناز لراحة نفس المغترب سليم العبد شقيق المطران عبد، مطران طرابلس، وفي كنيسة مزيارة وفي منتصف الجناز تلاسن اثنان خارج الكنيسة واحد من انصار الدويهي والآخر من انصار معوّض (حليف فرنجية) سارع رقيب في الدرك ليتدخّل فصرعته رصاصة وانطلقت النيران من كل جانب حتى في داخل الكنيسة وتهاوى 22 قتيلاً من زغرتا 11 منهم من بيت الدويهي..
ابطال مجزرة مزيارة معروفون وبعد ثلاثين عاماً وفي 13 حزيران 1978 سقط قتلى في قصر اهدن الصيفي ذهب ضحيته الوزير الراحل طوني فرنجية وزوجته وابنته وحرّاسه، كأنه التاريخ يُعيد نفسه ويقتصّ من قتلى بقتلى، ثمّة مَن يُخطّط لمجزرة جديدة في زغرتا تجعل الدماء تسير من جديد بين عائلاتها.
مَن يتشرّط لا يريد مصالحة ومَن لا يريد مصالحة في نيّاته ورقبته بحور من الدماء قد تسيل فجأة كما في حادث بصرما، كأنه نموذج مُصغّر استعداداً للمشهد الدموي الكبير..
أما الذين يعيرون سمير جعجع بسجنه وتاريخه ومرسوم العفو الذي خرج بموجبه من زنزانته التي دخلها لأجل لبنان، نقول لهم في عهد الرئيس فؤاد شهاب صدر قانون عفو عن حكمي اعدام واحد بحق سليمان فرنجية الجد والآخر بحق رينيه معوَّض وكلا الراحلين، اصبحا رئيسين للبنان، إلاّ إذا كان عفو عن عفو «بيفرق»!!