سياسيون يعومون… والمواطن يغرق!
يتصدر المشهد المسيحي الساحة السياسية اليوم بكل ما يحمل من تعقيدات وضبابية تلف مستقبل علاقاته الداخلية، ففي حين تواجه المصالحة المسيحية عراقيل وشروطاً تعجيزية يفرضها فريق على آخر، في محاولة واضحة لصبّها في خانة الاستثمار الانتخابي ما جعلها في حكم الأزمة المفتوحة، يأتي موضوع صلاحيات نائب رئيس الحكومة الذي طرحه الوزير أبو جمرا، محاولاً استنهاض الطائفة الأرثوذكسية وكأنها قضية وجودية لا بد من تحقيقها بأي ثمن كان، معتمداً وسائل المعارضة التي باتت كلاسيكية من انسحاب ومقاطعة وصولاً الى تعطيل مجلس الوزراء وابتزاز السلطة والشعب معاً·
ولكن ما فات الجناح المسيحي من المعارضة، والذي يخوض حتى الساعة هذا الاشتباك السياسي وحده، أن صندوق الكنز الذي يحتوي كل المفاتيح الانتخابية إنما موجود في خانة الخدمات الحياتية، الاجتماعية الأساسية عند المواطن، ودونها إنما مضيعة للوقت وصرف من الرصيد السياسي الحي من دون مردود يسد العجز الآتي· فالخدمات تتراجع يوماً بعد آخر، ومعاناة اللبناني الذي ظن أن نهايتها باتت قريبة مع تأليف الحكومة وإمساك رئيس الجمهورية بزمام الأمور لاعباً دوره الطبيعي والذي طال انتظاره على الساحة السياسية لم يتحقق منها شيء، بل على العكس، ففضائح الأشغال تتوالى فصولاً، ويجد المواطن نفسه غارقاً في مستنقعات الفساد والإهمال دافعاً الثمن من رزقه وأملاكه·
أما أزمة الكهرباء فتستمر في التراجع، فنرى العاصمة تُسدّد فاتورتها وفواتير سائر المناطق، غارقة في ظلام دامس مكلفة أهلها بتكبد مصاريف إضافية لتأمين الطاقة عبر الوسائل البديلة من مولدات عامة أو خاصة·
ولا تزال تسمع شكوى مواطن من هنا وهناك عن سوء خدمات الخليوي مقابل ارتفاع التكلفة التي يدفعها مقارنة مع بلاد مجاورة، وغياب مياه الشفة والتي إذا ما زارت بعض القرى تتسبب في حالات تسمم عديدة·
ولن ننسى بالطبع حرقة قلب كل لبناني على غاباته الخضراء وثروته الحرجية المنقرضة والتي تتحمل المؤسسات الرسمية المختصة مسؤولية عدم الجهوزية لمواجهتها بشكل فعّال وسريع· وإذا ما أردنا أن نكمل جردة معاناة اللبناني اليومية لتأمين سبل عيشه الأساسية، بعيداً عن الكماليات، نرى أن القائمة لا تزال طويلة ولا فائدة من إلقاء اللوم على هذا أو ذاك· فالهدف الأساسي من هذه المقاربة هو إلقاء الضوء على القضايا المحقة التي تشرع كل وسيلة لتحقيقها في سبيل تخفيف أعباء الحياة عن كاهل مواطن منهك القوى بعدما واجه في وطنه من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية على حد سواء·
وإذا كانت الانتخابات المقبلة هي جزرة كل سياسي حتى يتحرك ويخطو خطوات انقلابية، فلتكن بهدف تأمين متطلبات الحياة الكريمة الأساسية، لأنها وحدها الكفيلة بدفع القاعدة الشعبية نحو صناديق الاقتراع وحصد أصوات تعلو بكلمة حق بدلاً من أن تصرخ لتُسقط من تخلى عنها ووضع مصالحه الشخصية والضيّقة نصب عينيه، غاضاً الطرف على ما يدور حوله··· فلا صلاحيات نائب رئيس مجلس الوزراء ولا مقر عمله سوف يعوّض على الناس خسائرها بسبب إهمال الدولة أو الأزمة الاقتصادية الخانقة!·