سوريا مستعدة للانفصال عن ايران الاسلامية؟ -1-
لا تنوي سوريا بشار الاسد، استنادا الى مصادر سياسية واسعة الاطلاع لم يُعرف عنها ولعها بالنظام الحاكم فيها رغم علاقاتها الجيدة به، بعضها لبناني وبعضها الآخر غير لبناني، وقف المفاوضات غير المباشرة الجارية بينها وبين اسرائيل برعاية تركيا منذ اشهر.
وتتفهم الدوافع التي املت على اسرائيل إرجاء الجلسة الأخيرة التي كان حُدِّد موعدها قبل اسابيع وابرزها الوضع السياسي وتالياً الحكومي الضبابي فيها نظرا الى "استقالة" رئيس وزرائها ايهود اولمرت وتكليف وزيرة خارجيته تسيبي ليفني تأليف حكومة جديدة، وكذلك نظرا الى احتمال دخول اسرائيل معركة انتخابات عامة مبكرة في حال فشل الاخيرة في مهمتها الحكومية. وسوريا هذه لن تنتقل الى المفاوضات المباشرة مع اسرائيل قبل حصول امرين: الاول، استتباب الوضع السياسي الاسرائيلي. والثاني، وهو الاهم، بدء عهد جديد في الولايات المتحدة في ضوء الانتخابات الرئاسية المقررة فيها بعد نحو اسبوعين. ذلك ان لسوريا موقفاً ثابتاً لا تتراجع عنه هو ضرورة مباركة اميركا اي مفاوضات لها مع اسرائيل بل ضرورة اشتراكها فيها. وهذا الموقف لم يكن ممكناً ترجمته عملياً، اولا، بسبب سلبية موقف الادارة الاميركية الحالية المشارفة ولايتها الانتهاء من سوريا ورئيسها وسياساتها الاقليمية. وثانياً، بسبب عدم توافر الوقت الكافي لها للاهتمام بهذا الموضوع على نحو مباشر. وثالثا، بسبب انشغالها بأزمتها المالية والائتمانية العقارية والمصرفية التي فجرت ازمة عالمية لا يعرف قادة العالم كيف يخرجون منها بأقل خسائر ممكنة. لكن الموقف السوري المشار اليه قد يجد طريقه الى التنفيذ او الترجمة مع الرئيس الاميركي الجديد. ولذلك، فان المصادر المذكورة اعلاه تتوقع معاودة المفاوضات المباشرة بين سوريا واسرائيل بعد انتهاء الازمة الحكومية في الدولة العبرية وخصوصاً اذا نجحت "رئيسة الوزراء المكلفة ليفني في تجنب كأس الانتخابات المبكرة المرة. علماً انها استنادا الى معلومات لها، تؤكدها مصادر وتنفيها اخرى، تعتقد ان المفاوضات المباشرة بدأت بعيداً عن الاضواء وستبقى كذلك وغير رسمية. وقد انجز خلالها الكثير ولا سيما في مجال الامن والمياه والحدود.
طبعاً يثير هذا الموضوع البالغ الاهمية اسئلة كثيرة قد تتعرض لها مستقبلا هذه الزاوية. لكن السؤال الذي يتبادر فوراً الى الاذهان يتعلق بالجمهورية الاسلامية الايرانية كونها عدواً ثابتاً واستراتيجياً لعملية السلام بل لاسرائيل في المطلق وكونها في الوقت نفسه حليفاً استراتيجياً لسوريا او على علاقة استراتيجية بها إذ ان المسؤولين في طهران لم يحسموا تسمية هذه العلاقة بعد. فهم ينفون تارة ان تكون تحالفاً استراتيجياً، ويؤكدون طوراً انها كذلك. والسؤال هو: هل تتجاوز سوريا بشار الاسد "حليفها" الايراني وتوقّع تسوية سلمية مع اسرائيل؟ والجواب عن هذا السؤال كما تقدمه المصادر السياسية الواسعة الاطلاع نفسها هو: نعم، وخصوصاً اذا حصلت سوريا في مقابل ذلك على مطلبها الاول الذي لا سلام من دونه وهو استعادة اراضيها المحتلة عام 1967 حتى حدود 4 حزيران وكذلك على مطالب متنوعة اخرى ليس ثمة الآن مجال للخوض فيها.
الا أن جواب المصادر السياسية الواسعة الاطلاع هذه يثير اسئلة مهمة بدوره أولها: هل تستطيع سوريا التخلي عن ايران الاسلامية بهذه البساطة وهي في "أوج المعركة" مع اسرائيل وحليفتها اميركا ومع الحلفاء العرب والمسلمين والدوليين لهذه الاخيرة؟ وثانيها، هل تستطيع التخلي عن الدعم العسكري النوعي الكبير الذي قدمته اليها ايران منذ عقود ولا تزال؟ وثالثها، هل تستطيع التخلي عن المساعدة النفطية الايرانية الكبيرة لها وباسعار تشجيعية في ظل اوضاعها الاقتصادية السلبية وبعض مظاهر البحبوحة في عدد من مدنها والاحياء؟ ورابعها هل تستطيع التخلي عن الاستثمارات الايرانية فيها والتي يقدرها البعض ربما بشيء من المبالغة بالمليارات؟ وخامسها، هل تستطيع احتمال رد فعل ايران على انفرادها بالصلح مع اسرائيل وترك حليفتها وحيدة في المواجهة معها ومع اميركا؟ وكيف يكون رد فعل ايران على جهة وجهت اليها ضربة سياسية بل استراتيجية بإبعادها عن الحدود مع اسرائيل في ثلاث جبهات مهمة هي لبنان وسوريا وفلسطين وبتعقيد دورها في العراق الذي طالما سهله السوريون في الاعوام الماضية؟ وسادسها، على ماذا ستحصل سوريا من عرب اميركا ومن اميركا، اضافة الى الجولان، بفضل التسوية السلمية مع اسرائيل؟ وسابعها، هل ستعطي التسوية سوريا قوة اكبر من قوتها الحالية الناجمة عن تحالفها مع ايران وموقعا ودوراً كبيرين على الصعيد الاقليمي؟ وثامنها كيف سيتصرف الاصوليون الاسلاميون السوريون التقليديون والجدد اي "التكفيريون" حيال تسوية سلمية مع اسرائيل بعدما صاروا قادرين على التحرك داخل دمشق وربما داخل مناطق سورية اخرى؟
طبعاً ليست هناك اجوبة سهلة وجاهزة عن كل هذه الاسئلة. لكن لا بد من محاولة الاجابة عن بعضها غداً ولا سيما منها تلك التي لها علاقة مباشرة بلبنان ومحيطه. وفي مقدم هذه الاسئلة هل ان سوريا جادة في "الانفصال" عن ايران الاسلامية اذا جاز التعبير على هذا النحو؟