#adsense

لبنان ليس متروكاً عربياً

حجم الخط

القرار المصري بمتابعة الوضع اللبناني عن قرب دعماً للدور و»الصيغة« والدولة.. وصدّاً للتدخلات الخارجية
لبنان ليس متروكاً عربياً

القرار المصري بمتابعة الوضع اللبناني عن قرب وبـ«مراقبته«، متّخذ منذ مدة غير قصيرة، وهو »قائم« وساري المفعول.
ليس هذا فقط ما يؤكده أركان 14 آذار ممن زاروا القاهرة أخيراً والتقوا القيادة المصرية، بل ذلك ما يمكن »ملاحظته« بسهولة من مجريات »الحركة المصرية« حول لبنان، من زيارات وزير الخارجية أحمد أبو الغيط وآخرها في آب الماضي، إلى المواقف شبه اليومية بإزاء كل معطى أو تطوّر لبناني، إلى الاستقبالات لـ«مروحة« من السياسيين اللبنانيين، إلى العلاقات التي تقيمها البعثة الديبلوماسية المصرية مع أطياف الاجتماع السياسي اللبناني.

الحضور المصري في افتتاح المسجد

في هذا الإطار، تجلّى الاهتمام المصري اللافت بـ«حدث« إفتتاح مسجد محمد الأمين الأسبوع الفائت. فقد حضرت جمهورية مصر العربية »الحدث« بأهم شخصيتين دينيّتين فيها، إمام الأزهر الشيخ محمد سيّد طنطاوي ومفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة. وقالت الشخصيتان في المناسبة كلام الاعتدال الإسلاميّ العربي وشدّدتا على »دور« لبنان في المنطقة وبينها وبين العالم. ولم تخفِ القيادة المصرية على أعلى مستوياتها إرتياحها إلى دور زعيم »تيار المستقبل« سعد الحريري سواء لجهة حركته »التصالحية« في الآونة الأخيرة أو لجهة ما أظهره حرصه على طبيعة المشاركة في احتفال المسجد من تصميم على نبذ التفرقة الدينية. ولم يكن أمراً عادياً أن يشكل حدث افتتاح المسجد بدلالاته ومعانيه واحداً من المواضيع التي تم التطرّق إليها بين الرئيس حسني مبارك وزعيم »الحزب التقدمي الاشتراكي« وليد جنبلاط خلال لقائهما قبل أيام قليلة.

أهمية لبنان »دوراً« و«صيغة«.. و«دولة«

في الإهتمام المصري بمتابعة الوضع اللبناني عن قرب، لا تخفى إذاً المكانة التي تحتلها »الصيغة« اللبنانية لدى مصر، بما هي صيغة العيش المشترك الإسلامي ـ المسيحي وصيغة الشراكة الوطنية، وبما هي »النموذج« الذي تحتاج إليه المنطقة العربية في مخاضاتها على غير صعيد.
بيد أن الاهتمام المصري بلبنان »دوراً« و«صيغة«، لا يقف »هنا«، إذ يتجسّد الإهتمام موقفاً حازماً دعماً لـ«الدولة« اللبنانية، لقيام هذه الدولة ولسيادتها »على« لبنان وفيه ولتعزيز قوّتها في هذا الإتجاه. وفي هذا السياق، تندرج المواقف التي أعلنها الوزير أبو الغيط في زيارته الأخيرة إلى بيروت. وقد ربط بين استقرار لبنان وأمنه وبين تمكين الجيش والقوى الأمنية من الاضطلاع بمهمة »تأمين« الوضع اللبناني، معلناً إستعداد بلاده لتقديم الخبرات والمساعدات اللازمة. وفي هذا السياق أيضاً تندرج زيارة قريبة »يُحكى« عنها لبعثة أمنية مصرية إلى لبنان.

الطائف

وفي هذا المجال، لا مفرّ من الإشارة إلى نقاط رئيسية في السياسة المصرية حيال لبنان، كما تتجلّى من مواقف معلنة.
 كانت مصر جزءاً فاعلاً محرّكاً من المبادرة العربية لحل »الأزمة اللبنانية«. وفي إطار المبادرة العربية ـ والجامعة العربية ـ دعمت »حوار الدوحة« و«إتفاق الدوحة«. غير أن السياسة المصرية تميّز بدقة بين »إتفاق الدوحة« من ناحية وإتفاق الطائف من ناحية ثانية. فالأول من وجهة نظرها لتحقيق المصالحة أي لإنهاء العنف والعودة إلى جادة الصراع السلمي الديموقراطي وإلى المؤسسات. في حين أن الثاني هو »تأسيسي« أي ينظم »الصيغة« ويحدّد أسس قيام الدولة وآلياته.. أي أن إتفاق الطائف هو »مرجعية المرجعيات«.

لبنان شرطٌ على سوريا

وبدعمها لبنان »دوراً« و«صيغةً» و«دولة«، تتمسك القاهرة باستقلال هذا البلد وترفض التدخلات الخارجية فيه، لا سيما منها تلك التي تقود إلى جعله ساحةً وإلى نسف عناوين أهميّته ـ صيغته ودوره ـ وقد أعلنت مواقف واضحة في هذا المضمار، ولا تزال تبدي تخوّفها على لبنان.

موقفان يميّزان السياسة المصرية في هذا الميدان. الأول اعتبارها ـ كما صرّح أبو الغيط بذلك مراراً ـ أن »لبنان مفتاح الإنفراج في العلاقات العربية ـ العربية« ودعوتها إلى »تصحيح أدوار« لأطراف عربية تجاه لبنان. والثاني إبداؤها غير مرة »ضيقها« من التدخّل الإيراني في الوضع العربي وصولاً إلى التحذير شبه المباشر لإيران بقول أبو الغيط إن »من يتدخّل في شؤوننا يلقى ما لا يسرّه«.

الموقف الأول الذي يعتبر لبنان مفتاحاً للإنفراج في العلاقات العربية ـ العربية »يقصد« سوريا بلا مواربة. وقد »تلبّدت« العلاقات المصريّة ـ السوريّة بسبب السياسة السوريّة حيال لبنان وفيه. وإذا كانت مصر لا ترغب في الحديث عن »أزمة علاقات« بينها وبين سوريّا، فذلك لا يعني ان العلاقات عادت طبيعيّة. والحال ان القاهرة تراقب السلوك السوريّ في هذه الآونة معتمدةً تشجيعَ أي تقدم سوريّ ومطالبةَ دمشق بالمزيد في الوقت نفسه. فالسياسة المصريّة تتابع التطورات على »المسار« الفرنسيّ ـ السوريّ وما يمكن أن ينتج عن »خارطة الطريق« الفرنسيّة الموضوعة أمام النظام السوريّ، لكن من الواضح انها لن تعطي سوريّا »صك براءة« لأن ثمة إستحقاقات على نظام الأسد »الإيفاء« بها… وأهمها في لبنان الكف نهائياً عن التدخل فيه. وشأنها في ذلك شأن السياسة السعوديّة التي إعتبرت على الدوام أن لبنان هو »المحك« للعلاقة الطبيعيّة بسوريّا.

وإذا كان الموقف الأول »يقصد« سوريّا، فإن الموقف الثاني يقصد إيران صراحة، أي أن الموقفين اللذين يميّزان السياسة المصريّة معنيان بتأكيد إستقلال لبنان ورفض تدخلات دمشق وطهران فيه.

الملف الموازي: فلسطين

واللافت في السياسة المصريّة أيضاً، أن الإهتمام بلبنان لا يوازيه إلاّ الاهتمام بالوضع الفلسطينيّ. ففي الوقت الذي يتواصل القرار المصريّ بمتابعة الوضع اللبنانيّ ومراقبته، تولي القاهرة أهمية إستثنائيّة للوضع الفلسطينيّ والحوار بين الجهات الفلسطينيّة. وهذا الأمر لافت فعلاً من زوايا عدة. من زاوية الوعي العميق لدى القيادة المصريّة بأن الاستقرار الإقليميّ لا ينهض إلاّ على الحل العادل للقضيّة الفلسطينيّة وإقامة الدولة المستقلة. ومن زاوية وعي أهميّة الإسراع في »تحرير« الوضع الفلسطينيّ من التدخلات الخارجيّة ومن الإقتتال الداخليّ. ومن زاوية وعي أهميّة »نجاح« إستقلال لبنان وفلسطين وقيام دولَتي الإستقلال في لبنان وفلسطين من أجل ترسُّخ نظام المصلحة العربيّة. ومن زاوية أن الوضعين اللبنانيّ والفسطينيّ »يواجهان« تدخلاً سوريّاً وآخر إيرانيّاً.

الإنتخابات

تأسيساً على المقدمات الآنفة جميعها، تبرز إستنتاجات بالغة الأهميّة.
ليس ثمة إنكفاء عربيّ، مصريّ أو سعوديّ، عن لبنان وعن الإهتمام بمستقبله.
وليس ثمة »تصالح« عربيّ مع النظام في سوريّا على حساب لبنان، وأي صلح عربيّ ـ سوريّ مرتبط بإستقلال لبنان وإستقراره.
والمتابعة العربيّة للوضع اللبنانيّ لن »تتراخى«، لا متابعة لـ«هدنته« الراهنة، ولحواره الوطنيّ في بعبدا… ولا لإنتخاباته النيابيّة المقبلة. والإنتخابات النيابيّة اللبنانيّة مهمة جداً عربيّاًً: للتأكد من عدم التدخل السوريّ، وللتأكد من سلامة العمليّة السياسيّة التي يُفترض أن تُنتج ديموقراطيّاً »الشرعيّة الوطنيّة« في لبنان، وللإطمئنان على مصير لبنان دوراً وصيغة ودولة. ومسألة »الشرعيّة الوطنيّة« مبدأ أساس ضمن مبادئ »النظام العربيّ« كما تحدد في قمة الرياض 2007.

بإختصار، لبنان ليس متروكٍاً. والسياسة المصريّة تعبير عن هذه الخلاصة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل