مواجهة تهجير المسيحيين: أين المواطنة والعروبة؟
ليس أخطر من تهجير المسيحيين في الشرق سوى تغييب البعد الوطني في مواجهة الجريمة والاكتفاء برفع الصوت والتعاطف من زاوية البعد الانساني. فلا التهجير بالقوة والهجرة لأسباب اقتصادية أو سياسية تتعلق بنقص الحريات هما الاستثناء بل القاعدة. ولا تهجير المسيحيين في الموصل سوى حلقة في مسلسل طويل تاريخياً وواسع جغرافياً على امتداد المنطقة. ولا يبدل في الأمر، تبادل الاتهام بين القوى الأصولية والأكراد عن المسؤولية التي يتحملها أيضاً الاحتلال الأميركي ومعه حكومة نوري المالكي. فالاستنكارات التي عمت المنطقة وكان لها صدى في العالم والمنظمات الدولية لم تغير شيئاً في الواقع. والدعوات الى مؤتمرات للبحث في جذور المشكلة وايجاد حلول لها لا تزال في مرحلة التفكير، في حين أن ثقافة (التكفير) تعمل على الأرض من ضمن خطط منهجية ليست أقل خطورة من النهج الاسرائيلي الذي يكاد يفرغ القدس وبيت لحم والناصرة من المسيحيين.
ولا أحد يعرف إن كان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى سينجح في ضمان اجتماع في الموصل على مستوى الجامعة لوزراء الأوقاف العرب، حسب اقتراح للرئيس نبيه بري. ولا ما الذي يستطيع فعله وزراء الأوقاف. فوزراء الداخلية في دول الجوار العراقي يكررون في اجتماعاتهم، وآخرها في عمان، قرارات وتوصيات يبقى معظمها حبراً على ورق بالنسبة الى الامن في العراق. والدول العربية منخرطة في مكافحة الارهاب بالأمن وكل الوسائل الممكنة، باستثناء التصدي للفكر الارهابي.
لكن مجرد اجتماع على مستوى الجامعة العربية، ولو لوزراء الأوقاف، هو خطوة على الطريق الى مواجهة تهجير المسيحيين من زاوية البعد الوطني والبعد القومي.
فلا التهجير ممكن من دون إضعاف العروبة في العراق. ولا إضعاف العروبة يقود الى دولة ديمقراطية بل الى دويلات الطوائف والاتنيات والمذاهب.
ذلك ان المشكلة هي غياب الديمقراطية وتغييب العروبة. فالمنطقة تضربها تيارات خائفة من الحداثة، ورافضة للاعتراف بالآخر المختلف وقبوله سواء كان شريكاً في الوطن أو في الانسانية. وهي تدخل في حقبة ظلامية مخيفة عنوانها الاستبداد والاستعباد والهدف منها هو التخلص من التعدد لحساب الصفاء الطائفي أو الأمني أو المذهبي. لكن نظرية الصفاء بالغة الخطورة على الجميع. وإذا كان المسيحيون هم الطرف الأضعف الذي يدفع الثمن أولاً، فإن المسلمين ليسوا في منأى عن دفع الثمن والوقوع تحت الاستبداد. فاحترام التعددية يتجاوز الوجود الى الأدوار. ولا مخرج من الحقبة الظلامية الا باعتماد المواطنة في أنظمة ديمقراطية.