ضعف عون المسيحي يخيفه وإصرار »سوريي« لبنان على حصة يُزعجه
ودخول سليمان على الخط يُربكه وإصرار بري على خلط التحالفات مخرجه
"حزب الله" يدعو "المستقبل" الى خسارة الانتخابات بلا.. معركة
لا يريد "حزب الله" معركة انتخابية في الربيع المقبل، وهو يحاول بالتي هي أحسن أن يُقنع »تيار المستقبل« بالدخول معه في تحالف وطني عريض على امتداد الوطن. ويتوسل »حزب الله« من أجل تحقيق ذلك سبلاً عدة.
من ناحية أولى، يُظهر قوته وقوة حلفائه، في تأكيد على أن الأكثرية النيابية ستنتقل حتماً الى الفريق الذي يُمسك هو به، معتمداً في ذلك على سيناريوات سبق وتعرّف عليها اللبنانيون في العام 2005، ذلك أن كل من يكتب اليوم عن توزيع الخارطة النيابية الجديدة إنما يستنسخ محتوياتها عن مقالات سبق له وكتبها، قبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعده، كما يُقدّم إشارات على وفرة في المال الانتخابي، وما يُروى عن »كرم« طارئ عند العماد ميشال عون في المناطق المسيحية، يؤكده »حزب الله« لا بل يبتسم لكل من يقول إن مصدر هذا المال هو الحزب.
أما من الناحية الأخرى، فيقدم »حزب الله« كل ما من شأنه أن يُثبت بأن لا مصلحة لـ»تيار المستقبل« بخوض معركة من أجل الانتخابات النيابية، على اعتبار أن قوى الرابع عشر من آذار إن خسرت الأكثرية تكون قد خسرتها، وإن ربحتها فهي لن تستطيع أن تتجاوز الحزب، لأنه يمسك بالديموقراطية التوافقية من رقبتها، بفعل إمساكه بيد من حديد بالطائفة الشيعية التي يستحيل تجاوزها في إدارة شؤون لبنان وشجونه، بما في ذلك موضوع سلاح »المقاومة »الذي يحتاج اعتماد أي تصور له الى »إجماع وطني« محوره الأول والأخير »ما يقرره الجنوبيون«.
وبذلك، فإن »حزب الله« يقول لـ»تيار المستقبل« إنه ذاهب الى معركة انتخابية، من موقع الخاسر ـ الخاسر في حين أن »حزب الله« يخوضها من موقع الرابح ـ الرابح، وتالياً فعلى هذا التيار أن يرفع من الآن الرايات البيضاء، لأنه كلما أرجأ هذا الخيار، عرّض الطائفة السنية للأضرار، تارة بتعريضها لحملة تشويه سمعة تحت عنوان الإرهاب، وتارة أخرى بتعريض مكتسباتها السلطوية للخطر، من مدخل مسيحي، وليس ما يقوم به العماد ميشال عون حالياً سوى الرأس الظاهر من جبل الجليد.
ومن تسنح له فرصة الاجتماع بمسؤولين في »حزب الله« يُدرك أن الحزب يعمل، بكل الوسائل،على إيصال رسالة واضحة، بهذا المعنى، الى النائب سعد الحريري، داعياً إياه من باب »الحرص(!)«، على إبعاد مجموعة صغيرة عنه، ناسباً إليها »كل البلاء« في العلاقة الثنائية.
حسناً، ولكن لماذا يفعل »حزب الله« ذلك، طالما أنه قادر على تحقيق أهدافه بفوز حسمته من العام 2005، مجموعة عبدو سعد الإحصائية؟
هنا لا يُقدّم »حزب الله« أجوبته الواضحة والصريحة، ولكن الإشارات المتوافرة تدل عليها.
يدرك الحزب أن لعبة التحريض ضد الطائفة السنية من مداخلها الدستورية والأمنية، لن تبقى بمنأى عنه، لأن اللاعبين هم حلفاء له، ويسخر لهم إمكاناتهم المادية والمعنوية والبشرية، وبهذا المعنى فهو لا يستطيع أن يسمح للعماد ميشال عون بإطالة أمد لعبته، بل يريد استثمارها سريعاً، وإلا فإن »حزب الله« سيكون أول ضحاياها، خصوصاً وأن »احتلال« وسط بيروت فغزوة العاصمة، جعلتاه في موقع المسؤول عن كل شاردة وواردة، وليس أدل على ذلك أنه هو من يتحمل تبعات ما ارتكبه الآخرون، تحت مظلته العسكرية، من موبقات بحق بيروت وأهلها، منذ السابع من أيار الماضي.
كما يعرف الحزب أن حالة العماد ميشال عون المسيحية تشهد ضموراً مخيفاً، فالحالة العونية في قضاء بعبدا على سبيل المثال لا الحصر تدهورت بشكل دراماتيكي من نحو سبعين في المئة في العام 2005 الى أقل من ثمانية عشرة في المئة حالياً، وتالياً فإن عون على المستوى الانتخابي يستطيع أن »يتمرجل« حيث هناك قوة دعم شيعية، ولكنه على حواف الإنهيار حيث تكون القوة الانتخابية هي قوة مسيحية صافية.
ويعرف »حزب الله« معرفة يقينية أنه، على تخوم الانتخابات النيابية سيكون عليه أن يختار بين عون من جهة وبين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من جهة أخرى، ذلك أن الرئيس سليمان لن يقبل أن يخرج من الانتخابات بلا كتلة نيابية تعينه على إثبات وضعيته داخل الساحة المسيحية والوطنية، وهو لن يسمح لأي كان، بمن فيهم عون، أن يخيّروه بين أن يكون مجرد وكيل في القصر الجمهوري، وبين أن يخلو القصر لمن يعد ناسه أن زيارته لإيران ستُنقله الى بعبدا، بعيد انتهاء الانتخابات النيابية، الأمر الوحيد الذي يفسر عبارة عون الشهيرة: نتيجة زيارتي لإيران ستظهر بعد ستة أو سبعة أشهر أو سنة على الأكثر!
وثمة من يعتقد بأن دخول »حزب الله« على خط النائب ميشال المر، بعد »المصالحة« غير الاحتفالية في وزارة الدفاع مع الوزير الياس المر، هي بأفق ترتيب تحالف انتخابي بين المر وعون، ولكن العارفين ببواطن الأمور، يؤكدون أن هذه الزيارات على صلة بترتيب العلاقة الانتخابية بين آل المر الذين يعتبرهم »حزب الله« وكلاء سليمان الانتخابيين وبين الحزب، خصوصاً وأن كل المؤشرات تبيّن أن الحزب و«وكلاء الرئيس« سيكونان على تماس أقلّه في دائرتين: بعبدا، حيث يترشح إدمون غاريوس، رئيس بلدية الشياح وجبيل، منطقة سليمان.
ولا تقتصر المسألة هنا، بل تتخطاها الى واقع التحالف القائم بين »حزب الله« وسوريي لبنان، وفي هذا السياق، من الواضح أن النظام السوري يريد من »حزب الله« أن يحمل له ودائع عدة، الأمر الذي سيُصعّب عليه إدارة مهمة التوفيق بين الوزير طلال إرسلان وبين »الدمية« وئام وهّاب (بعبدا)، وبين العماد ميشال عون وبين الحزب السوري القومي الاجتماعي (حاصبيا ـ مرجعيون )، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
كما أن العلاقة بين عون والرئيس نبيه بري »ملطوشة »، ويبدو بري أقرب الى نظرية خلط التحالفات في الانتخابات النيابية المقبلة، لأن ذلك يوفر عليه »الكباش« على الحجم مع »حزب الله«، على اعتبار أن التحالف مع قوى الرابع عشر من آذار في البقاع الغربي ـ راشيا وفي زحلة مضمون النتائج، الأمر الذي يسحب نفسه على الانفصال عن عون في جزين، بعدما ثبت أن شعبية سباق الحمير في بلدة روم فاقت شعبية الاستماع للعماد ميشال عون في بلدة جزين.
ولعل اللافت للانتباه، أنه منذ بدء المصالحات أن ثمة فريقاً واحداً أبدى تخوّفه من عودة ما سمّي »الحلف الرباعي«، وطالب بضمانات، هو فريق عون، في مقابل فريق واحد أبدى رغبة بتكرار سيناريو العام 2005، وصارح الجميع بذلك، هو فريق بري.