تعثّر المصالحات المسيحية همّ جديد على المفكرة الأمنية
كشف الشبكات الأصولية يزيد خطر التهديدات
مع كل تعثر جديد تشهده الساحة المسيحية، يرتفع مستوى الخطر الداخلي من انعكاس التوترات السياسية ميدانيا، في ظل ارتفاع عدد نقاط الضعف في النسيج اللبناني. ويبدو المشهد السياسي الحالي متعدد الاتجاه في ظل تقاطع المعلومات الامنية حول اخطار محتملة، نتيجة تعثر المصالحة المسيحية، والبطء في استكمال المصالحات الاسلامية. وكل ذلك وسط غرق الافرقاء المحليين في الاستعداد للانتخابات النيابية مما يرفع حرارة المواجهات الداخلية يوما بعد آخر.
لم يكن تعثر المصالحة المسيحية أمرا مفاجئا لاي من الاطراف المتابعين لحركة الفريقين المعنيين، مباشرة، فحزب " القوات اللبنانية" دفع بمهارة هذه المرة نحو المصالحة، بعد تريث عامين، والنائب السابق سليمان فرنجيه، اعلن صراحة انه غير مستعد لاتمام مصالحة، تفيد منها " القوات " انتخابيا. واذا كان عارفو الطرفين يدركون سلفا ان المصالحة لن تنجز في المواعيد التي اطلقها بعض الغيارى، فان تعثرها سيكون له انعكاسه المباشر على فريقين، اولهما رئيس الجمهورية الذي حاول بعض "سعاة الخير" من رجال دين وسياسيين، ومنهم من هو قريب من بعبدا، ادخاله طرفا في اتمام المصالحة عبر الحديث عن امكان اجرائها في القصر الجمهوري او حتى عقدها في بكركي في حضوره. وتعثر المصالحة، في وقت يسعى الرئيس ميشال سليمان في جولاته الخارجية الى تقديم نفسه على انه الطرف التوافقي، من شأنه ان يترك اثراً سلبيا على موقع الرئيس الذي اطلق الحوار بعد مصالحات طرابلس، وبدأ بعض السياسيين القريبين منه يتحدثون عن رعايته للمصالحة المسيحية.
اما الفريق الثاني المتضرر في صورة مباشرة وخطرة، فهو الساحة المسيحية لا سيما في الشمال. وعلى رغم ان المصالحة بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع لم تتم في الشكل الذي يمكن ان ينهي النزاعات بينهما نهائيا، الا ان الطرفين لا يبدوان متحمسين، وهما غير جاهزين لخوض مواجهات مباشرة بينهما في اقضية جبل لبنان. وفي المقابل تتحول الساحة الشمالية ارضا خصبة لحصول مواجهات بين الطرفين، خصوصا ان المنطقة جاهزة اساسا بسبب تضافر كل العناصر التفجيرية فيها، لتصبح مع اقتراب موسم الانتخابات، مرشحة لتكون الخاصرة الاضعف في جسم لا يزال يعاني تداعيات 7 ايار الماضي.
وليس الحديث عن الخوف من تداعيات تعثر المصالحات المسيحية، كلاما سياسيا، فحسب، بل هو حديث أمني يتعزز تلقائيا مع ارتفاع حدة المواجهة بين الطرفين المعنيين، الامر الذي يجعل من الاستعدادات الامنية ، على المستويات كافة، لمواجهة كل الاحتمالات امرا مطروحا كل لحظة. في وقت يعتبر الفريقان المعنيان، ان من حقهما الطبيعي خوض غمار الانتخابات في منطقة ذات حساسية بالغة ، بكل "الاسلحة"، من مهرجانات وتعليق صور ومواكب سيارة، وكل ما يمكن ان يؤجج العلاقة بين شريحتين.
ومشكلة تعثر المصالحة المسيحية ليست يتيمة بالمعنى السياسي كي تتفرغ لها القوى الامنية، بكامل عدتها، في حين ان مشاكل الشمال حاليا اكثر من ان تعد وتحصى. ولا يقلل المتابعون من اهمية تضافر العوامل المؤثرة في خربطة الوضع الامني شمالا، والتي تقع على عاتق الجيش وقوى الامن مهمة مواجهتها بالوسائل الممكنة.
وهنا تكمن دقة الموقف السياسي في مواكبة التطورات الامنية.
فاعتقال الشبكة الارهابية اخيرا في الشمال، ليس امرا يسيرا في العرف الامني بعد متابعة دامت اشهرا، وتبلورت في الشهر الاخير، الامر الذي سمح بالقبض على أفرادها. لكن هذا الخطر لم يختف بعد بل ان المتابعة الامنية فرضت ايقاعا سريعا ومضبوطا في الايام الاخيرة، في ظل تهديدات امنية، وصلت الى المراجع الامنية المختصة، لا يمكن الاستهانة بها، وإن كانت تحدث دوريا بعد كل كشف لشبكة ارهابية من مثل النوع الاخير.
وفي المعلومات ان الجيش اتخذ اخيرا سلسلة تدابير مشددة، وينصرف حاليا الى تعزيز قدراته تدريبا وانتشارا، في منطقة بالغة الحساسية، تفاديا لاي اخطاء يمكن ان تقع كما حصل في بصرما، حين وجه لوم الى الجيش بعدم التحرك في سرعة لضبط الوضع الامني قبل استفحاله.
الا ان قيادة الجيش التي بدأت تشكيلات داخلية على اكثر من خط، واعادة تنظيم يفترض ان تكون متجانسة، تتموضع حاليا في دائرة واحدة تابعة لقائد الجيش عسكريا. الامر الذي يجعل تحدياتها كبيرة، وخصوصا اذا حصلت اي ثغرة امنية، ما دامت التشكيلة الجديدة معروفة التوجه والاداء والولاء، وتتمتع حاليا بدعم كافة الافرقاء السياسيين، الذين يقدمون لها الدعم السياسي والمعنوي.
ولأن ثمة مهمات واستحقاقات كثيرة، تبقى أمام الجيش المنتشر شمالا، اكثر من مهمة، تبدأ من الحدود ولا تنتهي بملاحقة المنظمات الاصولية، وبضبط الوضع الداخلي بين الافرقاء المتخاصمين.
والاهمية القصوى تبدو امامه اليوم، في اعادة تدريب عناصره وتفعيل اداء القطع بعد فترة سياسية وامنية وتجاذبات تركت انعكاسها على ألوية الجيش، الذي يحتاج الى اعادة تأهيل وتفعيل داخلي.
ولا شك ان المؤسسة حاليا تحت المعاينة، بعد المناقلات والتشكيلات والتجاذبات السياسية حولها، والاهم بعد عودة العلاقات الامنية والعسكرية بين الجيشين اللبناني والسوري. فاذا كانت الاتصالات بين قائد الجيش ورئيس الاركان السوري علي حبيب عادت في اطار التنسيق، بين الجيشين، يتوقع، كما يقضي العرف ، ان يقوم وفد سوري عسكري بزيارة قائد الجيش للتهنئة، وان يرد مدير المخابرات العامة السورية العسكرية اللواء آصف شوكت الزيارة التي قام بها مدير المخابرات العميد ادمون فاضل لدمشق. وهما زيارتان تبقيان على المفكرة في انتظار بلورة اكثر للعلاقات بين البلدين.
واذا كانت المصالحات شمالا التي اعقبت اتفاق الدوحة قد خففت بعض الشيء من الضغط الامني على المؤسسة العسكرية ، فان عدم استكمالها سيترك مضاعفات، وتزيد من اعباء القوى الامنية، في وقت يتحدث بعض الاطراف المحليين شمالا، عن عدم شمولهم بالمصالحة، في حين لم يعقد بعد اللقاء الموعود بين رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري والامين العام لـ" حزب الله" السيد حسن نصرالله.
وبينما يعتبر قريبون من الطرفين ان اللقاء سيعقد حين تصبح نتائجه اخف وطأة على الساحة السنية، لدواع انتخابية، فان الخوف يبقى أمنيا من أي "خربطة" مسيحية تكون لها صلة بالوضع الانتخابي. وفي حين تنشغل الساحة الداخلية بخلافات سياسية ، لا تواكب خطورة الوضع الداخلي، من نوع صلاحيات نائب رئيس الحكومة، فان الخشية الاكبر تعكسها تقارير امنية تحذر من تداعيات كشف الشبكات الارهابية، على الساحة الداخلية، وامكان توسع حلقة هذه الشبكات، واستخدام السلاح شمالا، الامر الذي يسمح بعودة تدخلات اطراف اقليميين على اكثر من خط لحماية مؤيديهم في لبنان ولضبط الوضع الامني، في مواجهة الطرف الاصولي في عمليات على غرار نموذج السلوك التركي، في شمال العراق ضد "حزب العمال الكردستاني".