لا استعجال للتسوية ولا سعي الى "الانفصال" -2-
القريبون من دمشق ومن طهران من اللبنانيين لا يعتقدون ان سوريا بشار الاسد ستقدم على خطوة الانفصال عن الجمهورية الاسلامية الايرانية بعد تحالف او علاقة استراتيجية استمرت عقوداً، رغم بعض الكلام الذي يوحي ذلك وإن على نحو غير مباشر والذي يوجهه احياناً كثيرة مسؤولون سوريون الى محاورين لهم سواء من العالم العربي الخائف من ايران، او من العالم الغربي المعادي لها. والسبب الابرز الذي يدفعهم الى هذا الاعتقاد معرفة هذه "السوريا" ان مفاوضاتها غير المباشرة حالياً مع اسرائيل لا يعترض عليها الحكام في طهران. ومعرفتها ايضاً انهم لن يعترضوا عليها في حال تحولها مباشرة عندما يرى اندادهم السوريون ان الظروف صارت ناضجة لنقلة كهذه. ومعرفتها اخيراً انهم لن يعترضوا على توصلها الى تسوية سلمية موقعة مع اسرائيل ما دامت هذه الخطوة المتقدمة مع الد اعداء ايران الاسلامية لن تشكل تهديداً لها ولا عائقاً امام سياستها واستراتيجيتها ولن تكون على حساب موقعها الاقليمي المتقدم والدولي، او على حساب حلفائها وخصوصاً المنتمين الى المنطقة بل الى العالمين العربي والاسلامي.
هل الاطمئنان الى استمرار التحالف او العلاقة الاستراتيجية بين سوريا بشار الاسد والجمهورية الاسلامية الايرانية والذي اظهره القريبون من دمشق وطهران من اللبنانيين في محله؟
انه كذلك، يجيب القريبون انفسهم. وما يدفعهم الى هذا الجواب الايجابي معلومات ومعطيات في حوزتهم تشير اولا الى ان سوريا لا تبدو مستعجلة للتوصل الى تسوية سلمية مع اسرائيل رغم صدق رغبتها في تحقيق هذا الهدف. لكنها في الوقت نفسه تحاول من خلال المفاوضات غير المباشرة حالياً وربما المباشرة لاحقاً التفاهم مع اسرائيل على عناصر التسوية او الصفقة بحيث يكون انجازها رسمياً سهلاً عندما تقرر ان ظروفها صارت ملائمة لذلك. وهذا ما يجري حالياً. وتشير ثانياً الى ان عدم الاستعجال مرده الى رغبة في انخراط اميركا في المفاوضات مع اسرائيل. وذلك لن يكون ممكناً الا مع الادارة الجديدة للولايات المتحدة التي سيتسلم رئيسها السلطة رسمياً في 20 كانون الثاني المقبل باعتبار ان الادارة الحالية قاربت ولايتها الانتهاء وازدادت مشاغلها ومتاعبها في الوقت نفسه فضلا عن انها لم تغير مواقفها السلبية من سوريا رغم محاولة عدد من مسؤوليها جس النبض لمعرفة ما اذا كان التغيير ممكناً ومفيداً. وتشير ثالثاً الى ان عدم الاستعجال يعود ايضاً الى حرص على معرفة ما اذا كان سيبدأ حوار بين واشنطن وطهران في عهد الادارة الاميركية الجديدة. ذلك ان خطوة كهذه لا بد ان يكون محضَّراً لها ولا بد ان تسفر طال الزمن ام قصر عن تطبيع للعلاقة الاميركية – الايرانية تستفيد منه سوريا بشار الاسد الى اقصى حد ممكن. وتشير رابعاً، الى ان عدم الاستعجال سببه حرص على معرفة تطور الاوضاع في العراق حيث تتواجه اميركا وايران الاسلامية مباشرة. وهو تطور لا بد ان يحدد اتجاهه وصول واشنطن وطهران الى طاولة الحوار والتفاوض او استمرارهما في المواجهة غير المباشرة وربما لاحقاً المباشرة.
كيف تترجم سوريا بشار الاسد عدم استعجالها التوصل الى تسوية سلمية مع اسرائيل؟ بمواقف ثلاثة او اربعة يجيب القريبون من دمشق وطهران انفسهم. الاول، عدم التخلي عن حركة "حماس" وسائر القوى الفلسطينية الوطنية والاسلامية الرافضة المقيمة على الاراضي السورية اي عدم ضربها او تقييد حركتها مع نصحها بالتجاوب مع مساعي التهدئة وليس مع مساعي التخلي عن اهدافها وفي الوقت نفسه اقامة علاقات دافئة وحميمة مع اخصام هذه القوى من الفلسطينيين وفي مقدمها حركة "فتح" والسلطة الوطنية الفلسطينية. وقد لمس هذه الحقيقة رئيس السلطة محمود عباس اثناء زيارته الاخيرة لدمشق وعلى نحو مباشر رغم كل الحفاوة التي استُقبل بها. والثاني عدم التخلي عن "حزب الله" اللبناني وعدم ضربه مباشرة او الافساح في المجال امام اي قوة لبنانية لمحاولة ضربه لان ضربه ليس بالسهولة التي يتصورها كثيرون. طبعاً قد لا تستطيع سوريا بشار الاسد منع اسرائيل من ضربه عسكرياً ومعه لبنان وقد لا تتدخل دفاعاً عنهما لأن "العين بصيرة واليد قصيرة". لكنها لن تغطي ذلك ولن تقوم بأي عمل نيابة عن اسرائيل. وهذان الموقفان تصر عليهما اسرائيل ومعها اميركا وترفضهما ايران الاسلامية. اما الموقف الثالث فهو انشغال سوريا بالقضاء على خطر التيارات الاسلامية الاصولية السنية التكفيرية عليها داخل اراضيها والعمل مع لبنان وغيره من العرب وربما في العالم لضرب الخطر نفسه. هذا الانشغال يوفر مبررا جيداً لعدم الاستعجال السوري للتسوية السلمية مع اسرائيل، فضلا عن انه يرضي المجتمع الدولي والعربي وحتى اسرائيل رغم الخلافات مع الجميع باعتبار ان لا تسوية بوجود هذه التيارات وخطرها داخل سوريا ولا استقرار في المنطقة في ظل توزعها على دولها والاقطار.
في النهاية تعتقد مصادر سياسية واسعة الاطلاع وموضوعية الى درجة الحياد في كل الموضوعات المثارة هذه ان اقدام سوريا على "الانفصال" عن ايران الاسلامية لن يكون مريحاً لها. لا بل انه قد يشعل صراعاً وربما حرباً بين هاتين الدولتين الحليفتين في لبنان وعليه. والحرب ستكون صعبة وشرسة لان الاثنتين موجودتان فيه وبقوة ولأن اياً منهما لا تستطيع "التنازل" عنه (كأنه قطعة من كل منهما) تلافياً لتأثر موقفها الاستراتيجي سلباً بالطبع. وحرب كهذه قد "تولّع" لبنان وتدمره وتنعكس ضررا على الدولتين معا. كما انها قد توقع لبنان تحت سيطرة ايرانية غير مباشرة عبر الحلفاء. وسيطرة كهذه ستعمق الخلافات بل الاحقاد المذهبية والطائفية. الا ان السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يختار اللبنانيون، لبناناً ايرانياً ام لبناناً سورياً في حال نشبت المواجهة بين الحليفين المزمنين الايراني والسوري؟ والجواب عن ذلك صعب لان اللبنانيين ليسوا واحدا. فالشيعة قد تستهويهم ايران لان سيطرتها تجيز لهم السلطة في البلاد وان مقنّعة. علما ان سوريا لم تقصر معهم في هذا الامر. وعلماً ايضاً ان الحساسية العربية – الايرانية لا تزال موجودة حتى عند الشيعة اللبنانيين. اما السنّة فانهم لن يختاروا ايران رغم عدائهم لسوريا الاسد اعتقاداً منهم ان الاخيرة ليست ابدية كما كل شيء في العالم. واما المسيحيون فقد يشعرون بالحيرة وخصوصاً في ظل فريق يؤمن ان حماية مسيحيي لبنان لا تؤمنها الا سوريا بل نظام آل الاسد فيها وفريق آخر قد يكون بدأ يسلك طريق طهران ويدفع في اتجاه تكوين محور حكم لبناني – شيعي – مسيحي ولا سيما في ظل صعوبة استدارته نحو سوريا الاسد رسمياً بسبب العداء الذي استحكم بينهما سنوات طويلة والذي لا يمكن تجاوزه بسهولة. وفي ظل هذا التناقض لا يمكن توقع استقرار لبنان اياً تكن القوة الاقليمية او الدولية التي تحكمه واياً تكن الوسيلة المحلية التي تحكمه بواسطتها.